حوارات

السفير المغربي في ماليزيا لـ “أسواق”: علاقة المغرب وماليزيا علاقة متميزة و متينة

كوالالمبور – وائل قرصيفي

تمتلك ماليزيا منذ عقود طويلة علاقة مميزة مع مختلف الدول العربية والإسلامية في الشرق والغرب، وتتنوع مجالات هذه العلاقة ما بين الاقتصاد والسياسية والاستثمار والثقافة وغيرها، ولعل العلاقة الشعبية بين ماليزيا والدول العربية والإسلامية هي أبرز وجوه هذه العلاقة الطويلة التي تمتلكها ماليزيا مع تلك الشعوب.

المملكة المغربية من ناحيتها لها علاقتها الخاصة مع ماليزيا التي تعود إلى سنوات طويلة ماضية سبقت العلاقة الدبلوماسية الرسمية، وللحديث عن هذه العلاقة وتسليط الضوء عليها أكثر كان لنا هذا اللقاء مع سعادة سفير المملكة المغربية في ماليزيا الدكتور محمد الرضى بنخلدون.

. نرحب بكم سعادة السفير في هذا الحوار معنا في “أسواق”، هل يمكن أن تقدم لنا تعريفاً عن تاريخ العلاقة بين المغرب وماليزيا على الصعيدين الرسمي والشعبي؟

في البداية أود أن أشكر مجلة “أسواق” على هذه الاستضافة وأتمنى لمجلتكم كامل التوفيق. عند الحديث عن العلاقة المغربية الماليزية فهي في الواقع علاقة قديمة حيث أن تأسيس هذه العلاقات كان في عام 1963، وكانت هناك العديد من الزيارات المتبادلة، وفي عام 1966 تم افتتاح أول سفارة ماليزية في العاصمة المغربية الرباط، لكن افتتاح السفارة المغربية في ماليزيا تأخر حتى عام 1988، والعلاقات مستمرة منذ تأسيسها على اعتبار أن كلا البلدين عضوان في منظمة المؤتمر الإسلامي حيث يوجد تعاون مشترك بين البلدين فيما يخص شؤون العالم الإسلامي، بصفة خاصة والقضيا العالمية بصفة عامة.

من جانب آخر كان هناك تقارب بين البلدين منذ تاريخ استقلالهما المتقارب جداً، حيث استقلت المغرب عام 1956 وماليزيا عام 1957، واتخذ البلدان نفس السياسة الخارجية في اعتماد منهج الوسطية واحترام سيادة الدول واحترام وحدتها الترابية ونبذ العنف.

لقد كان للحضور الشخصي لجلالة الملك محمد السادس سنة 2003 لماليزيا لكل من اجتماعات منظمة التعاون الإسلامي ومنظمة دول عدم الانحياز، الأثر البالغ في التقارب بين البلدين.

 وعلى المستوى الثنائي، يمكن أن نعتبر أن التطور الكبير في العلاقة بين البلدين كان بعد زيارة رئيس الوزراء المغربي السابق عبد الرحمن اليوسفي إلى ماليزيا في عام 2001، والتي ساهمت في تعزيز العلاقة وتوقيع العديد من الاتفاقيات بين البلدين في مختلف المجالات.

و في سنة 2017، قام رئيس الحكومة المغربي الدكتور سعد الدين العثماني بزيارة لماليزيا لحضور أشغال الملتقى الاقتصادي الإسلامي العالمي، و كان مرفوقا بوزير الحكامة لحسن الداودي.

. ماذا عن العلاقة الشعبية بين الشعبين المغربي والماليزي؟

هناك تقارب واضح بين الشعبين المغربي والماليزي، وهذا يعود لعدة أسباب، أولها هو اتخاذ منهج الوسطية والاعتدال في المجال الديني لدى الشعبين على اختلاف المذاهب الإسلامية السائدة في كل منهما، كما أن الشعب المغربي يكن الكثير من التقدير للشعب الماليزي من خلال اللقاء السنوي الذي يحصل خلال موسم الحج، حيث ينظرالمغاربة للحجاج الماليزيين كنموذج للتسامح والاعتدال. و ينطبق الأمر كذلك بالنسبة للماليزيين المعجبين بالحضارة والثقافة المغربية وتنوعها الكبير، حيث أن المغرب دولة عريقة يتجاوز عمرها 12 قرناً وتمتلك ثقافة متنوعة الأعراق واللغات و موروث حضاري غني، خصوصاً من خلال اختلاط الطلبة الماليزيين بالطلاب المغاربة الذين يأتون إلى ماليزيا للدراسة، و كذا بالنسبة للطلبة الماليزيين الذين يدرسون بالمغرب.

“المغاربة ينظرون للماليزيين كنموذج للتسامح والاعتدال عندما يلتقون بهم في مواسم الحج”

. كم يبلغ حجم الجالية المغربية في ماليزيا؟ وما هي أهم توجهات الطلاب المغربيين القادمين إليها؟

الجالية المغربية في ماليزيا صغيرة الحجم نسبيا، ويبلغ عددها حوالي 400 شخص تقريباً، منها أكثر من 100 طالب في الجامعات الماليزية بحسب الأرقام الرسمية، لكن العدد الحقيقي أكبر بكثير وهذا التباين يرجع إلى أن العديد من المغاربة يقيمون هنا ويعودون إلى المغرب أكثر من مرة في العام، وتتنوع أعمال الجالية بين من يعملون في الشركات التجارية أو المصارف أو مجال الاستيراد والتصدير أو المستخدمون في ميادين المطاعم أو الفندقة أو العاملون في المجالات الأكاديمية وغيرها.

بالنسبة للطلاب المغاربة فإن معظمهم يتوجهون للدراسة في مجال الدراسات الإسلامية والصيرفة الإسلامية حيث أن هذا الاختصاصات أصبح من الاختصاصات الأكثر طلباً في السوق المغربي، خصوصاً مع الانفتاح الكبير في المملكة المغربية نحو اختصاص الصيرفة الإسلامية مع فتح المصارف الإسلامية والاستثمار في الصكوك وغيرها من أعمال المالية الإسلامية.

. ما هي أهم الخدمات والأدوار التي تقوم بها السفارة المغربية للمواطنين المغاربة في ماليزيا؟

لدينا في السفارة قسم قنصلي مكلف بشؤون استقبال الجالية كما أنه متخصص في شؤون الطلبة المغاربة في ماليزيا، وتقوم السفارة بدعم جميع المغاربة الذين لديهم مشاكل في مجال الإقامات والهجرة وأي مشاكل إجرائية قد تواجههم، كما نشرف على تنظيم المناسبات التي يتم فيها دعوة المواطنين المغاربة مثل المناسبات الوطنية والمناسبات الإسلامية مثل عيد الفطر، إضافة للأنشطة الثقافية حيث نظمنا في العام الماضي الأسبوع الثقافي المغربي الذي شهد معرضاً كبيراً لفنون الصناعة التقليدية المغربية والعديد من العروض التراثية المغربية إضافة لعرض القفطان المغربي  والعديد من النشاطات الثقافية و الرياضية والاجتماعية بحضور أبناء الجالية المغربية في ماليزيا، و نظمنا هذه السنة أسبوع الطبخ المغربي، حيث تساعد هذه الفعاليات في انفتاح الجالية المغربية على الماليزيين أكثر والتعريف بالثروة الثقافية والاجتماعية الكبيرة في المغرب.

السفير المغربي محمد الرضى بنخلدون في لقاء جمعه برئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد

. كيف تقيمون العلاقة الاقتصادية بين المغرب وماليزيا؟ وكم يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين؟

بداية دعني أتحدث عن مشكلتين تقفان في وجه العلاقة الاقتصادية بين البلدين. المشكلة الأولى هي البعد الجغرافي الكبير بين المغرب وماليزيا وهو ما يصعب التبادل التجاري بين البلدين، وثانياً الاختلاف اللغوي حيث أن المغاربة يتحدثون اللغة العربية واللغة الفرنسية بشكل أساسي، بينما تعتبر اللغة الإنجليزية اللغة السائدة في التعامل مع الدول الخارجية في ماليزيا.

لكن هذه المشاكل لا تمنع الرغبة المتبادلة لدى الطرفين في توثيق العلاقة الاقتصادية بينهما، ففي الوقت الحالي يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 100 مليون دولار، ويميل الميزان التجاري لصالح ماليزيا بنسبة كبيرة، وتعتبر الأسمدة الزراعية من أهم الصادرات المغربية إلى ماليزيا كما يصدر المغرب زيت السمك والأسماك المعلبة، فيما يستورد من ماليزيا زيت النخيل والمطاط وبعض المنتجات الإلكترونية.

اليوم نعمل على إنجاز مشروع مجلس الأعمال المغربي الماليزي المشترك، حيث سيكون إنشاء هذا المجلس النقطة الأساسية لدفع العلاقة الاقتصادية نحو الأمام، حيث سيعمل رجال الأعمال من البلدين في هذا المجلس على عقد الصفقات وتعزيز التبادل التجاري والاقتصادي بين البلدين.

“البعد الجغرافي والاختلاف اللغوي هما العائقان الأساسيان في العلاقة الاقتصادية بين البلدين”

. في عام 1989 تم توقيع أولى الاتفاقيات الرسمية بين البلدين وكانت في مجال الشؤون الإسلامية، كيف تصفون العلاقة المشتركة في هذا المجال؟

مجال الشؤون الإسلامية في المغرب محفوظ ويشرف عليه بشكل مباشرجلالة الملك، ومن بعده وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والمغرب حريص منذ سنين على استضافة العلماء والمقرئين الماليزيين إلى المغرب لحضورالمناسبات الإسلامية علمية، كما يشارك المقرئون والعلماء المغاربة في مختلف المناسبات والمسابقات المرتبطة بالشريعة الإسلامية والقرآن الكريم. وبهدف تطوير هذه العلاقة كانت زيارة الدكتور أحمد العبادي رئيس الرابطة المحمدية لعلماء المغرب إلى ماليزيا في العام الماضي حيث التقى بالوزير المنتدب في الشؤون الإسلامية الماليزي، لبحث سبل تطوير وتفعيل العلاقة الإسلامية بين البلدين، كما التقيت بدوري مع مسؤولين في منظمة إدارة التنمية الإسلامية في ماليزيا “جاكيم” وبحثنا سبل تطوير العلاقات المشتركة في هذه المجالات.

أذكر كذلك أنه في العام الماضي قام وفد من مجلس علماء المغرب مع مسؤولين حكوميين بزيارة إلى ماليزيا لدراسة التجربة الماليزية في مجال الصيرفة الإسلامية من الناحيتين المالية والشرعية، حيث تعتبر التجربة الماليزية رائدة في مجال الزكاة والصكوك والتأمين التكافلي وغيرها من الشؤون المالية الإسلامية، كما شارك المغرب العام الماضي في معرض الحلال الدولي “ميهاس” في العاصمة الماليزية كوالالمبور لعرض المنتجات المغربية.

. العام الماضي قمتم بتنظيم الأسبوع الثقافي المغربي وهذا العام أقمتم مهرجان الطبخ المغربي، ما أهم ما تم تقديمه في المهرجان؟

هذا العام قمنا بالتركيز على مجال الطبخ المغربي، حيث دعونا طباخاً مغربياً يمتلك شهرة عالمية لحضور الحدث حيث قدم عروضاً للعديد من المسؤولين الحكوميين الماليزيين من وزارة السياحة الماليزية والخارجية وغيرها حول الطبخ المغربي،و قد حضر هذه الفعاليات، دبلوماسيون عرب وأجانب وأبناء الجالية المغربية والعديد من الشخصيات  من مختلف المشارب، حيث يعبر الطبخ المغربي عن التنوع والغنى الثقافي الكبير في المغرب.

“ركزنا هذا العام على عرض الطبخ المغربي وتنوعه الثقافي في المهرجان الثقافي المغربي”

. عام 2001 و2002 شهدا زيارتين تاريخيتين بين رئيس الوزراء المغربي السابق عبد الرحمن اليوسفي ورئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد، ما هي أهم الاتفاقيات التي أنتجتها هاتان الزيارتان؟

كما تفضلتم عاما 2001 – 2002 شهدا زيارتين متبادلتين بين المغرب وماليزيا حيث توجه رئيس الوزراء المغربي السابق عبد الرحمن اليوسفي إلى ماليزيا، وقدم رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد في عام 2002 إلى العاصمة المغربية الرباط، وبكل تأكيد ساهمت هاتان الزيارتان في التوصل إلى العديد من الاتفاقيات التي تم توقيعها بين البلدين.

ففي عام 2001 تم توقيع اتفاقية التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي بين البلدين حيث تهدف هذه الاتفاقية لتعزيز التعاون المشترك في تلك المجالات، كما تم توقيع اتفاقية حماية الاستثمارات بين البلدين في عام 2002 والتي مهدت لتوقيع اتفاقية إنشاء المجلس المغربي الماليزي لرجال الأعمال والاستثمار، والذي للأسف لم يفعل دوره بالشكل الصحيح حتى اليوم، لكننا في طريقنا نحو تفعيله قريباً.

أيضاً جدير بالذكر القول إن الاتفاقيات بين البلدين تعود إلى ما قبل ذلك حيث يوجد عدة اتفاقيات منها الاتفاق الذي ذكرتموه في مجال الشؤون الإسلامية الذي تم توقيعه في عام 1989 إضافة للاتفاق المشترك في شؤون التجارة والذي تم توقيعه في عام 1997.

ولكن إذا رجعنا إلى اليوم، دعني أقول إنه من أهم الاتفاقات التي تم توقيعها مؤخرا بين البلدين هو اتفاق إلغاء التأشيرة بين المغرب وماليزيا والتي دخلت حيز التنفيذ يوم 27 ديسمبر 2017، وكذا مذكرة تفاهم بين البلدين في مجال التعليم العالي والبحث العلمي التي وقعت يوم 5 نوفمبر 2018.

. هل تعتقدون أن عودة مهاتير محمد لمنصب رئاسة الوزراء ستساهم في تدعيم العلاقة المغربية الماليزية؟

شخصياً كان لي شرف اللقاء برئيس الوزراء مهاتير محمد مباشرة بعد تعيينيه في هذا المنصب، وتحدثنا عن العلاقة المغربية الماليزية، والدكتور مهاتير عبر عن حبه الكبير للمغرب ، و قد كانت له زيارة خاصة لمدينة مراكش المغربية حيث أعجب بالثقافة المغربية والشعب المغربي، كما أن رئيس الوزراء من أشد مناصري التوجه والانفتاح نحو إفريقيا والدول العربية وهذه نقطة إيجابية جداً في العلاقة بين ماليزيا والمغرب، لكن من جانب آخر فإن المغرب حافظ على علاقة مميزة مع ماليزيا في عهد مختلف الحكومات السابقة، وهذا أمر لا يخفى على أحد.

من جانبنا نعتقد بالطبع أن عودة مهاتير للحكم سيكون لها تأثير إيجابي على العلاقة المتبادلة، خصوصاً أن المغرب كما هو الحال في ماليزيا تعتبر من الدول التي قطعت شوطاً كبيراً في مجال الانتقال الديمقراطي ومحاربة الفساد وتوفير الحريات للمواطنين ونزاهة الانتخابات، كما ان توجه “الحياد الإيجابي” الذي نجده لدى المسؤولين الماليزيين بخصوص قضية الصحراء المغربية يؤكد الاحترام الكبير لسيادة المغرب ويجعلنا متفائلين بخصوص العلاقة بين البلدين مع عودة مهاتير.

. ختاماً، كيف تنظرون إلى أفق العلاقة المغربية الماليزية في السنوات القادمة؟ التطور في العلاقة بإذن الله سيكون إيجابي، خصوصاً بعد توقيع اتفاقية إلغاء التأشيرة بين البلدين، و توقيع اتفاقية في مجال التعليم العالي بين المغرب وماليزيا تتيح إمكانية التعاون بين البلدين في مجال تبادل الطلاب، كما سيتم قريباً إنشاء المجلس المغربي الماليزي لرجال الأعمال، دون أن ننسى أنه على المستوى الإقليمي وقع المغرب مع دول الأسيان اتفاقية الصداقة و التعاون سنة 2016، كل هذه المؤشرات تجسد التفاؤل والآفاق الإيجابية التي تنتظر العلاقة بين المغرب وماليزيا في مختلف المجالات.

في سطور

سعادة السفير محمد الرضى بنخلدون

  • طبيب متخصص في الصيدلة البيطرية
  • المسؤول السابق للعلاقات الخارجية في حزب العدالة والتنمية المغربي
  • نائب في البرلمان المغربي لولايتين بداية من عام 2007
  • عضو سابق في اللجنة البرلمانية المغربية الأوروبية المشتركة
  • عضو سابق في البرلمان العربي ممثلاً للمملكة المغربية
  • تم تعيينه سفيراً للمملكة المغربية في ماليزيا سنة 2016
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
WhatsApp chat