أدب وتراث

أفكار الاستقلال الثقافي تهيمن على مؤتمر الكتاب الأسيويين

حوارات ونقاشات حول الخصوصية الأدبية
الإعلان عن مكتبة رقمية متخصصة في تراث أسيا
حوارات تناولت دور الثقافة في محاربة الإرهاب

نور سلطان – محمد إسماعيل زاهر

لا يمكن فصل الثقافة عما يدور في العالم من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية، لعل تلك كانت أبرز نتيجة للمنتدى الأول للأدباء والكتاب الأسيويين الذي استضافته العاصمة الكازاخستانية نور سلطان خلال الفترة من ٤إلى ٦ سبتمبر الجاري.

في كل جلسات المنتدى وعلى هامش حوارات المشاركين فيه، دار ما يشبه العصف الذهني الذي يتناول الكثير من المسائل الملحة والمطروحة بقوة في الساحة الأسيوية والعالمية، فبداية من مقولات  تتعلق  بتفشي العنف وليس نهاية  بخصوصية الأدب في أسيا، والجدل حول  قضايا الترجمة والقصة القصيرة مرورا بدور الفنون في مواجهة الإرهاب، وما يحدث في سوريا واليمن وكشمير،  حاول   ٢٦٠ أديبا من ٤٤ دولة أسيوية حضروا فعاليات المنتدى،  أن يصلوا بصوتهم   إلى العالم، وكأنهم يقولون وبقوة: “نحن هنا ولنا رأي في ما يحدث في الساحة الدولية”،  و هي الرسالة  التي سعوا إلى  تضمينها  في  بحوثهم  وأوراقهم وكلماتهم ، حتى أن أحدهم طالب بتشكيل تكتل عالمي للكتاب يؤثر في سياسات البلدان المختلفة.

في الجلسة الافتتاحية للمنتدى تحدث الرئيس الكازاخي قاسم جومارت توكاييف،  عن طريق الحرير وتناول تلك العلاقات الثقافية المتينة والتاريخية التي ربطت بين شعوبه المختلفة، كما تطرق إلى ضرورة البحث عن المشترك بين بلدان أسيا، وإعادة إحياء ذلك الإرث الروحي المميز لتلك البلدان، مع عدم إهمال تحولات العقود الخمسة الماضية، فأسيا التي كان ينظر لمعظم بلدانها حتى منتصف القرن العشرين بوصفها تنتمي إلى دول العالم الثالث، استطاعت في فترة زمنية قياسية وعبر عمل دؤوب وجاد أن تحقق طفرات تنموية  في مختلف المجالات ، وأصبحت شريكا للعالم المتقدم، ولكن لا تزال آداب وفنون أسيا مهمشة، وهنا أشار توكاييف إلى دور الكتاب المركزي في هذه المهمة، فأسيا ليست أسواقا ناهضة وحسب، ولكنها ثقافة أولا ضمت بين جنباتها حضارات الصين والهند و العرب..الخ، وعاشت على أرضها عشرات الأعراق والقوميات، وشهدت مدنها بدايات العلوم التطبيقية ، ومنها خرجت معظم الأديان والتعاليم والعقائد الروحية، وانتجت العديد من الملاحم الكبرى التي لم تأخذ حظها من الانتشار ، ولكن ماذا عن دور الثقافة المعاصرة في أسيا، وأهميتها في الربط بين شعوبها أولا ، وفي الانفتاح على الآخرين ثانيا، وفي التعريف بأسيا في العالم.

ولعل المفاصل السابقة هي التي دفعت توكاييف إلى الإعلان عن مشروعين كبيرين، الأول البدء في إنشاء مكتبة أسيوية رقمية موحدة تضم عشرات الآلاف من المنتج الثقافي في الأدب والفلسفة والتراث، والثاني إطلاق جائزة سنوية خاصة بالأدب الأسيوي، بالإضافة إلى شروع وزارة الثقافة الكازاخية في  ترجمة ٣١ عملا أدبيا محليا إلى معظم لغات العالم.

ولعل المفاصل السابقة هي التي دفعت توكاييف إلى الإعلان عن مشروعين كبيرين، الأول البدء في إنشاء مكتبة أسيوية رقمية موحدة تضم عشرات الآلاف من المنتج الثقافي في الأدب والفلسفة والتراث، والثاني إطلاق جائزة سنوية خاصة بالأدب الأسيوي، بالإضافة إلى شروع وزارة الثقافة الكازاخية بترجمة ٣١ عملا أدبيا محليا إلى معظم لغات العالم.

تنوع

في الجلسات تنوعت الهموم، وتعددت الإشكاليات، وبدا واضحا أن الكاتب وهو يحاول أن ينخرط في فضاء إنساني أوسع فليس بإمكانه إلا التعبير عن قضاياه الثقافية المباشرة، أو اليومية.

لقد طالب البعض بنبرة حماسية، تبدو غريبة على أرض الواقع وفي ظل ذلك الأفق الإنساني المحكوم بتكنولوجيا فائقة الحداثة، بضرورة تحقيق الاستقلال التام عن الثقافة الاوروبية، وبلهجة أخف وقعا أشار آخرون إلى تلك الثقافة الأسيوية المركبة من طبقات تاريخية يتداخل فيها الديني بالحضاري، التاريخي بالأسطوري، الأصيل بالدخيل، القديم بالجديد، بحيث يتشكل من كل ذلك غنى ثقافي تبدو أوروبا مقارنة به شديدة الفقر.

بينما رفض البعض مصطلح العالمية، انطلاقا من الشرط الثقافي الخاص فلكل أمة ظروفها التي تختلف عن غيرها، فمن يكتب والحس الاستعماري يهيمن عليه، يختلف بالتأكيد عن المناضل بالكلمة في سبيل الاستقلال، هذا بخلاف الوضع الطبقي والمكون الشخصي والعادات والتقاليد التي تختلف من بيئة إلى أخرى، ولكن برغم تلك الرغبة في التخلص من ثقل الغرب أو نقد مفهوم العالمية كانت أسماء الأدباء الأوروبيين تترد كثيرا في الحوارات و الأوراق، بوصفهم مرجعية يبدو من الصعوبة بمكان  الهروب من فتنتهم. 

والممتع في تلك النقاشات أن المتابع لها يشعر أنه في حضرة بابل اللغات، فلا نكاد ننتهي من الإصغاء إلى أحدهم وهو يقرأ قصيدة يرسم من خلالها سهوب كازاخستان المترامية الأطراف، حتى نحلق مع شاعر آخر في سماء الحكايات المنغولية والأساطير الهندية، ونتجول مع روائي ثالث بين البازارات القديمة في أفغانستان وأذربيجان.

وإذا كانت بعض النقاشات تطرقت إلى عدم معرفة الغرب بالثقافة الأسيوية، فإن الحال نفسه ينطبق في علاقة شرق أسيا بغربها، فأحد الكتاب الهنود وهو يسرد تنوع موضوعات الأدب الأسيوي  تحدث عن الشاعر العربي بوصفه الشاعر المتخصص في القمر، أما الأهم فما تناوله البعض ويتعلق بطرائق معرفة الأسيويين بآدابهم المعاصرة، فالهندي لا يقرأ الصيني إلا عبر لغة غربية وسيطة، أي أن الغرب لا يزال حتى هذه اللحظة هو من يكتشفنا ويقدمنا لبعضنا البعض، وربما يكتنف هذا الاكتشاف أحيانا بعض الأمور التي لا تتعلق بالأدب، فضلا عن ذائقة لا تنبع من روح أسيا نفسها.

 قضية العنف كانت حاضرة في المنتدى، حيث تناولها البعض من مختلف وجوهها، وهناك من ربط بين تراجع معدلات القراءة في العالم كله والتعرض المكثف إلى وسائط إعلامية لا تراعي قواعد التربية، تؤثر في الأطفال والمراهقين وتؤهلهم لسلوكيات عنيفة، ربما تتطور لاحقا عبر إضافة محمولات سياسية وإيديولوجية إلى منظومة من الأفكار المتشددة.

وكان لقضايا الأجناس الأدبية نصيبها في المنتدى، حيث تناولت بعض الأوراق الفروق الأساسية بين القصة والرواية، ورصد البعض فكرة تداخل تلك الأجناس، وتطرق آخرون إلى محو الحدود بين الأدب.

حضور عربي

في كلمته رصد الروائي السعودي يوسف المحيمد تاريخا طويلا من استهداف المتطرفين للأدباء والمفكرين العرب، وحذر من اتجاهات تحاول أن تعزل الموسيقى والشعر والمسرح عن التعليم، وهو ما سيؤدي إلى نتائج كابوسية، ولن ينتج إلا المزيد من التطرف، فعلينا الاحتفاء بثقافة الحياة كبديل عن ثقافة الموت من خلال تفعيل حضور الفن في الساحة العربية.

أما الروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله، فسرد بعض ذكريات طفولته، تناول فيها وعيه المبكر بالاحتلال الإسرائيلي لقريته، وأشار إلى روايته الأخيرة “ظلال المفاتيح” والتي تتماس مع ذلك الوعي، وقال: “كل كتابة نوع من الذكرى، والاحتلال يخاف دائما من الذكريات” وقرأ قصيدة “اللغات” التي احتفى فيها بالتنوع اللافت للغات التي يتحدث بها المشاركون في المنتدي.

 السعودي أحمد الملا قرأ نصا جماليا حول المعنى، وضرورة أن ننظر إلى البديهيات المحيطة بنا في كل مكان نظرة مختلفة. الأردني هشام بستاني قدم ما يشبه القراءة التنظيرية لأهمية القصة القصيرة. بينما حاول الكويتي سعود السنعوسي الإجابة عن سؤال “لماذا أكتب؟”، حيث تتيح له الكتابة، وخاصة الرواية، الانفصال عن العالم ومراقبته من أعلى، تجعله يعيش أكثر من زمن ويتواجد في أكثر من مكان، تمنحه الكتابة برهة من الحرية وتضيف إليه حيوات أخرى، وفي كل هذا يكمن المعنى الحقيقي للكتابة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
WhatsApp chat