
أستانا – الأزياء ليست مجرد أقمشة وخيوط، بل هي لغة حيّة تروي قصصًا عن الثقافة والهوية والابتكار. كل قطعة ملابس تحمل رسالة خاصة، تمزج بين الفن والوظيفة، بين التقاليد والحداثة. وفي المشهد العالمي اليوم، أصبحت الموضة وسيلة قوية للتعبير عن الذات والحوار الثقافي، حيث يلتقي التصميم بالاستدامة، وتشكّل الإبداع الطريقة التي نعيش بها، ونسافر، ونحلم. سواء من خلال القصات الخالدة، أو الابتكارات الجريئة، أو الحرفية الدقيقة، تتحول الملابس إلى سردية تربط الماضي بالمستقبل، والأسلوب الشخصي بالإرث الجماعي.

مبادرة أزياء جريئة وُلدت في كازاخستان تعيد تعريف معنى الأناقة المقرونة بالرسالة، حيث تأسست علامة “الرحّل العالميون” (Global Nomads) عام 2021 على يد خبيري الموضة المعروفين إينا أبينكو وأندريه بورماتيكوف، لتجمع بين الإرث الثقافي والاستدامة والابتكار، وتحمل روح السهوب الكبرى الخالدة إلى عالم اليوم، ويتأكد ذلك بعد الافتتاح المرتقب لفرعها الجديد في دبي خلال نوفمبر المقبل.
رسالة تتجاوز حدود الموضة
“الرحّل العالميون” ليست مجرد دار أزياء، بل حركة ثقافية تهدف إلى جعل العالم يقع في حب كازاخستان وآسيا الوسطى عبر إعادة الرموز الثقافية لحضارة السهوب الكبرى إلى تفاصيل الحياة اليومية. كل تصميم يحمل فلسفة تمزج بين الماضي والمستقبل، مستلهمة من إرث البدو القدماء، لكنها موجهة لأسلوب حياة المسافرين العصريين، والرحّل الرقميين، وحتى “البدو بين المجرات” في المستقبل.

وتقول الرئيسة التنفيذية إينا أبينكو: “رؤيتنا متجذرة في التاريخ لكنها تتجه نحو المستقبل. كان البدو أول الرحّل عبر أراضٍ لا نهائية؛ نحن اليوم بدو رقميون، وغداً قد نصبح بدو المجرات. الأزياء هي الجسر الذي يربط بين هذه العوالم.”
لغة الرموز
في صميم العلامة يكمن “الكود الجمالي“، الذي جرى تطويره بعد بحوث واسعة في الزخارف الكازاخية والرموز التركية وتقاليد السهوب القديمة، بالتعاون مع فنانين وأنثروبولوجيين ومعماريين بارزين مثل ألماس أورديباييف وإرلان كوجابايف.
وتتجسد هذه اللغة الرمزية في رموز مقدسة أبرزها:
- الشانيـراك – رمز الشمس، الأسرة، الوحدة، والاتصال بالأجرام السماوية.
- اللولب – رمز الحركة الأبدية، الفضاء الكوني، والخلق والتطور.
- زهرة التوليب – رمز الربيع والحب والوفرة والانسجام.
- التومار – تميمة مثلثة الشكل، ترمز للجبل والنار والحماية والرخاء.
- الأرخار – صورة الطوطم للتيس الجبلي (الأرغالي)، رمز المعجزة السماوية والروحانية.
- الأرواح (أروآه) – روح الأسلاف في هيئة طائر، رمز الحماية والقدرة المقدسة.
- الدائرة – رمز الشمس والسماء والأبدية والطاقة والحياة.
- المربع – رمز الأرض والحياة الدنيوية والاتجاهات الأربعة والعناصر الأربعة.
- المعين – رمز الخصوبة والأمومة وحماية الأسرة.
- الزهرة الشمسية – رمز الضوء والطاقة والطموح نحو الثراء.
هذه الرموز مجتمعة تُكوّن لغة بصرية للسهوب، تعمل كتمائم جمالية تحمل معاني الانتماء والإلهام والحماية وتوسّع آفاق الوعي الإنساني.
القيم وأسلوب الحياة
توجّه العلامة رسالتها لجمهور عالمي شاب – أفراد وعائلات حديثة – ممن يؤمنون بالحرية والجودة والاستهلاك الواعي. تصاميمها عملية وبسيطة، مناسبة للسفر والحياة النشطة، بفضل لوحة لونية مستقرة مستوحاة من السهوب اللامتناهية والرمال الذهبية والسماء الصافية لكازاخستان، مما يجعل كل قطعة متناسقة مع الأخرى عبر المواسم.
الاستدامة في جوهر العلامة
تضع “الرحّل العالميون” الاستدامة في صميم فلسفتها؛ حيث يُصنع أكثر من 85% من مجموعاتها من مواد طبيعية قابلة للتحلل، فيما يُعاد تدوير بقايا الأقمشة في خطوط Upcycle فنية جديدة تُضاف إليها لمسات من التطريز والطباعة والباتشوورك. وكما عاش البدو بانسجام مع الطبيعة دون ترك أثر زائد، تلتزم العلامة بالفلسفة ذاتها في الإنتاج والاستهلاك.

التميز في الإنتاج
تتم جميع مراحل الإنتاج داخل مصنعها الخاص في كازاخستان، المجهز بأحدث الآلات ويعمل وفق تكنولوجيا مثبتة. يضم المصنع أكثر من 200 مختص يعملون بشغف لإخراج كل قطعة بأعلى جودة.
يشمل خط الإنتاج الكامل عشر مراحل رئيسية: التصميم، البناء، التكنولوجيا، التصميم باستخدام الحاسوب (CAD)، القص، الخياطة، الطباعة والتطريز، مراقبة الجودة، المعالجة الحرارية والرطبة، ثم الإخراج النهائي. ويؤكد التزام العلامة بالجودة والموثوقية حصولها على شهادة ILS المعايير الدولية للعمل.
تصميم المتاجر والتجزئة
تعكس متاجر “الرحّل العالميون” فكرة الأزياء المخصصة للسفر ونمط الحياة النشط. يعتمد التصميم الداخلي على لوحة لونية مستوحاة من الطبيعة، ومواد طبيعية صديقة للبيئة، بما يضمن تناغم المساحات مع البيئة المحيطة.
وتتيح وحدات العرض المتنقلة تعديل شكل المساحة بسرعة، سواء عند إدخال مجموعات جديدة أو خلال مواسم التخفيضات لتفادي المظهر الفارغ. هذه المرونة تجعل المتجر مكانًا يعكس الاستدامة والديناميكية في آن واحد.
المسؤولية الاجتماعية والتأثير العالمي
تسعى العلامة لدعم الأجيال القادمة من المصممين. ففي عام 2021، أسست بالتعاون مع شركة “كازاخ تورزم” والاتحاد الوطني لأندية اليونسكو في كازاخستان جائزة الرحّل العالميون للأزياء، وهي أول مسابقة دولية للمصممين الشباب في البلاد. وقد أتاحت هذه الجائزة الفرصة للمواهب الإبداعية لإعادة تفسير “الرموز البدوية” في تصاميم عصرية.
كما أطلقت العلامة منتدى “كود نومادا“، وهو منصة تجمع المبدعين وقادة الأعمال وخبراء الموضة وصانعي القرار لمناقشة مستقبل الأزياء وتطوير مفهوم العلامة الوطنية وتعزيز الاستدامة في الصناعة.

مؤسسة برؤية بعيدة
تمثل إينا أبينكو الجيل الثالث في عائلة من صناع الملابس. بدأت مسيرتها من خدمات الأزياء للشركات، ثم أسست علامة MIMIORIKI، أول علامة وطنية لملابس الأطفال في كازاخستان، والتي حققت موقعًا رياديًا في السوق.
واليوم، تشغل أبينكو منصب نائب رئيس اتحاد الصناعات الخفيفة في كازاخستان، وهي مبادرة “تحالف كازبراندز” الذي يجمع العلامات المحلية للأزياء والإكسسوارات، ومؤسسة جائزة “الرحّل العالميون للأزياء”، وعضو مؤسس في مجتمع She Community لريادة النساء. صُنفت بين أبرز 20 امرأة في كازاخستان، وحصلت على وسام وطني تقديرًا لإسهاماتها في تطوير صناعة الأزياء المحلية.
نحو المستقبل
ترى “الرحّل العالميون” أن الأزياء ليست مجرد ملابس، بل جسر بين الماضي والحاضر، بين المحلي والعالمي، بين الأرض والكون. ومن خلال الجمع بين الفن العميق، الاستدامة، والإرث الثقافي، تسعى العلامة لصياغة أسلوب حياة جديد للـ”بدو الجدد” في القرن الحادي والعشرين.
من قلب السهوب الكبرى في آسيا الوسطى إلى العالم، تواصل “الرحّل العالميون” نسج قصة حيث يلتقي التراث بالابتكار، وتستمر روح البدو في رحلتها نحو المستقبل.



