اقتصاد

وسط النمو في الاستثمار الأجنبي والاقتصاد المحلي… ماليزيا تبحث عن الاستقرار لاستعادة عافيتها المالية

كوالالمبور – “أسواق”

لا يخفى على خبير اقتصادي أو مستهلك أو الإنسان العادي حجم الضرر الاقتصادي الذي تكبدته ماليزيا خلال عامين من تقييد الحركة وجائحة كوفيد-19 كما هو حال الكثير من اقتصادات جنوب شرق آسيا والعالم، وتأتي التطورات الأخيرة مع إعادة فتح الحدود والقطاعات الاقتصادية بشكل شبه كامل لتعيد الأمل لماليزيا باستعادة عافيتها الاقتصادية إلى مستويات ما قبل الجائحة في وقت أسرع مما تشير إليه التوقعات الاقتصادية.

الأيام الماضية حملت أخباراً سارة للماليزيين مع ما شهدته البلاد من نمو في الاستثمار الأجنبي المباشر وقطاعات التجزئة والصناعة وغيرها، حيث أن عودة الكثير من المواطنين لأعمالهم وعودة الحياة لمستويات شبه طبيعية يساعد على رفع الإنفاق وبالتالي الدخل الصافي الإجمالي للاقتصاد الماليزي.

الربع الأول من العام الجاري (يناير – مارس 2022) شهد نشاطاً كبيراً في مجال الاستثمار، حيث سجلت ماليزيا استثمارات بقيمة 42.8 مليار رنجيت، تضم هذه المشاريع 910 استثمارات في مجال الصناعة والخدمات والقطاع الأولي، بحسب ما أعلنته سلطة تطوير الاستثمار في ماليزيا (ميدا).

وأكدت الإحصاءات الصادرة عن ميدا أن 65 بالمائة من الاستثمارات أو ما يعادل 27.8 مليار رنجيت جاءت من الاستثمارات الأجنبية المباشرة فيما سجلت الاستثمارات المحلية نسبة 35 بالمائة أو ما يعادل 15 مليار رنجيت، وساعدت هذه الاستثمارات على تكوين أكثر من 24 فرصة عمل في البلاد.

وتصدر قطاع الصناعة قائمة القطاعات المساهمة في تعافي اقتصاد البلاد عبر الاستثمار حيث شكل 70.1 بالمائة من المشاريع بقيمة 30 مليار رنجيت، يليه قطاع الخدمات بنسبة 29.7 بالمائة بقيمة 12.7 مليار رنجيت ثم قطاع الصناعات الأولية والذي سجل 100 مليون رنجيت بنسبة 0.2 بالمائة من الاستثمارات.

ألمانيا تصدرت قائمة الدول ذات الاستثمارات الأكبر في ماليزيا خلال الربع الأول من العام الجاري حيث بلغ حجم الاستثمار الألماني 32 بالمائة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية بقيمة 8.9 مليار رنجيت، تليها سلطنة بروناي بنسبة 18.3 بالمائة أو ما يعادل 5.1 مليار رنجيت ثم الولايات المتحدة بنسبة 14 بالمائة أو ما يعادل 3.9 مليار رنجيت، وهونج كونج بنسبة 11.9 بالمائة أو 3.3 مليار رنجيت، فيما احتلت اليابان المركز الخامس بنسبة 11.5 بالمائة بحجم استثمار يبلغ 3.2 مليار رنجيت ماليزي.

ومن المتوقع أن يحمل الربع الثاني أرقاماً تدعو للتفاؤل في مجال الاستثمار، كما أنه بحلول 7 يونيو الجاري فإنه يوجد 268 مشروعاً مقترحاً على جدوال ميدا بقيمة استثمار تبلغ 14.4 مليار رنجيت في مجالات الصناعة والخدمات.

نمو التجزئة وتراجع البطالة

تراجع معدلات البطالة له دور كبير في تنشيط العديد من القطاعات الاقتصادية وفي مقدمتها قطاع التجزئة، حيث أن ارتفاع القوة الشرائية لدى المستهلك في ماليزيا سيكون له دور إيجابي كبير على النمو في قطاع التجزئة، والذي شهد تحسناً واضحاً في ماليزيا خلال العام الجاري مع فتح حدود البلاد وعودة القطاعات الاقتصادية للعمل بشكل شبه طبيعي.

إذ رفعت مجموعة ماليزيا للتجزئة (RGM) توقعاتها للنمو السنوي لقطاع التجزئة من 6.3 بالمائة إلى 13.1 بالمائة مع النمو القوي في القطاع خلال الربع الثاني من العام الجاري، حيث سجل قطاع التجزئة نمواً يبلغ 18.3 بالمائة خلال الربع الأول مقارنة بتراجع بنسبة -9.9 بالمائة في نفس الفترة من العام الماضي 2021.

فيما شهد الاستهلاك الشخصي نمواً بنسبة 5.5 بالمائة خلال الربع الأول من العام الجاري نتيجة للنمو في الإنفاق في قطاع التجزئة وإعادة فتح المعالم الترفيهية وارتفاع دخل السياحة المحلية، حيث من المتوقع أن يشهد قطاع التجزئة نمواً بنسبة 25.7 بالمائة في الربع الثاني من العام الجاري نتيجة المبيعات الكبيرة في موسم عيد الفطر المبارك.

النمو في الاقتصاد المحلي يعود للعديد من العوامل والتفاصيل المرتبطة بالاقتصاد المحلي، لكن أحد أبرز تلك العوامل هو عودة الكثير من الماليزيين إلى أعمالهم مع تراجع نسب البطالة في البلاد، حيث سجلت ماليزيا نسبة 3.9 بالمائة من العاطلين عن العمل في شهر أبريل من العام الجاري، وهي المرة الأولى التي تتراجع فيها النسبة عن 4 بالمائة منذ شهر مارس في العام 2020 مع بداية تقييد الحركة الشامل الذي شل حركة جميع القطاعات الاقتصادية في البلاد وساهم في رفع نسب البطالة إلى حدود قياسية.

ورغم النمو الذي يدعو للتفاؤل، إلا أن معدلات البطالة الحالية لا زالت أعلى من مستويات ما قبل الجائحة بما يزيد عن 500 ألف عاطل عن العمل، حيث يشكل الباحثون عن عمل 83.6 بالمائة منهم مقابل 16.4 بالمائة من العاطلين الذين لا يبحثون عن فرص عمل.

من جانب آخر شهدت نسب البطالة بين الشباب من عمر 15 – 24 أعلى مستوى لها منذ 10 أشهر حيث سجلت 12.8 بالمائة مع تراجع عدد الشباب العاملين إلى 357,200 شخص.

ومع ذلك، فإن التحسن الإجمالي في معدلات البطالة ساهم في وصول مشاركة اليد العاملة إلى نسب قياسية تفوق ما قبل الجائحة حيث سجلت نسبة مشاركة تبلغ 69.4 بالمائة مع نمو مستمر لمدة 10 أشهر وزيادة تبلغ 64,300 لحجم العاملين الكلي البالغ 16.5 مليون شخص.

كما سجلت نسبة العاملين إلى السكان نمواً مستمراً للشهر التاسع على التوالي بنسبة 66.7 بالمائة وهي أكبر نسبة تحققها ماليزيا منذ شهر يناير في العام 2020 قبل وصول الجائحة إلى البلاد وفرض تقييد الحركة على السكان والاقتصاد.

ولا بد من النظر للنمو في قطاع التجزئة والتحسن في نسب البطالة بنظرة متوازنة تأخذ في الاعتبار التحديات التي يواجهها المستهلكون في ماليزيا خلال الفترة الحالية، والتي من المتوقع أن تستمر حتى نهاية العام الجاري وفي مقدمتها قضية غلاء الأسعار.

حيث تستمر المنتجات والسلع الأساسية بالغلاء منذ بداية العام جراء التضخم الناتج عن مشاكل التزويد والتي أثرت على القدرة الشرائية لدى الماليزيين، إذ سجلت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية زيادة بنسبة 3.8 بالمائة خلال الربع الأول من العام الجاري، مساهمة بنسبة 29.5 بالمائة من تقديرات مؤشر أسعار الاستهلاك في ماليزيا.

كلمة السر: الاستقرار

العامان الماضيان شهدا تقلباً سياسياً كبيراً في البلاد، مع سقوط حكومة تحالف الأمل ومن ثم سقوط حكومة محيي الدين ياسين لتحل مكانها حكومة رئيس الوزراء إسماعيل صبري، والتي تبدو بدورها غير معروفة المصير مع استمرار التكهنات بانتخابات مبكرة في ماليزيا خلال العام الجاري، أو التغيير المحتمل مع الانتخابات العامة الخامسة عشر في الربع الأول من العام القادم.

عدم الاستقرار الناتج عن التقلبات السياسية لعب دوراً محورياً في تعقيد مهمة ماليزيا باستعادة العافية الاقتصادية، كما قال نائب المدير العام السابق لوحدة التخطيط الاقتصادي في الحكومة الماليزية كي يوغيسيفاران في تصريحات لصحيفة (The Malaysian Reserve) معتبراً أن الاستقرار السياسي له دور مهم ومحوري في التعافي الاقتصادي لكونه يضمن وجود تناغم واستمرارية في السياسات والقرارات الاقتصادية.

وقال “علينا ضمان الاستقرار السياسي في البلاد لتحقيق الاستقرار الاقتصادي … في حال تغيرت السياسات كل أسبوع فإننا لن نصل إلى التعافي الاقتصادي المنشود.”

واعتبر أن الحكومة يجب أن تتمتع بنظرة بعيدة الأمد لتشكيل السياسات الاقتصادية للبلاد وهو ما لا يمكن توافره إلا مع الاستقرار السياسي في الحكومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى