أخبار

رحلة كورونا في ماليزيا إلى أين؟

كوالالمبور – “أسواق”

في الخامس والعشرين من شهر يناير مطلع العام الحالي، حط فيروس كورونا رحاله في ماليزيا بتسجيل أول إصابة رسمية، إصابة كانت متوقعة من وزارة الصحة الماليزية التي دقت ناقوس الخطر بشكل مبكر محذرةً الماليزيين من هذا الخطر الجديد القادم من ووهان الصينية بؤرة تفشي الفيروس في العالم.

سارعت ماليزيا منذ ذلك الحين لمزيد من الإجراءات الاحترازية التي من شأنها منع تزايد أعداد الإصابات بين صفوف مواطنيها، فنشرت وزارة الصحة والداخلية طواقمهما في كافة مداخل وحدود البلاد، ولاسيما مطار كوالالمبور الدولي، حيث نصبت عشرات أجهزة التصوير والمسح الحراري لتعقب الأشخاص المحتمل إصابتهم.

زوروا ماليزيا تغلق أبوابها

ومن سوء حظ ماليزيا آنذاك، تزامن بدء انتشار الفيروس مع إطلاق الحكومة السابقة لحملة زوروا ماليزيا 2020 لاستقطاب ملايين السياح، وتشجيعهم على القدوم إلى البلاد، حيث أن الحملة بدأت بالتأرجح والتراجع في ظل عزوف السياح وخاصة من أوروبا على زيارة الدول الآسيوية المؤهلة لتفشي الفيروس بين مواطنيها، خاصة وأن ماليزيا تضمن ملايين السكان ذوي العرق الصيني، فواصلت الحملة بذلك تراجعها إلى أن أعلنت السلطات عن إلغائها بشكل كامل قبل أيام قليلة من الآن.

كورونا وحكومتين

وفي خضم ذلك كله، كانت ماليزيا على موعد مع حدث أكبر، لم يكن بحسبان الكثيرين، حيث فاجأ رئيس الوزراء الماليزي الأسبق مهاتير محمد الشعب الماليزي بتقديم استقالته رسمياً لملك ماليزيا السلطان عبد الله رعاية الدين المصطفى بالله شاه، والذي بدوره قبلها بعد ساعات من تقديمها ليعينه رئيساً مؤقتاً للبلاد، ثم بعد جولة مكوكية من المشاورات مع مجلس السلاطين ونواب البرلمان الماليزي، وقع اختياره على السيد محيي الدين ياسين ليكلفه برئاسة الوزراء وتشكيل الحكومة الماليزية الثامنة.

هذا التغير في المشهد السياسي والذي لم يرق لشريحة واسعة من الأحزاب والنخب في البلاد، لاسيما أنصار رئيس الوزراء السابق الذين لم يرحبوا بهذه الخطوة الملكية، وكذلك الاضطرابات التي واكبت ذلك التغيير من تفكك تحالف الأمل وتشكل التحالف الوطني، سلبت جزءًا كبيرًا من الاهتمام الشعبي والرسمي بالخطر القادم من مقاطعة هوبي الصينية، فبالتزامن مع هذه التطورات أخذت أعداد الإصابات بالتزايد، رغم حظر السفر على الوافدين من الصين والمناطق الموبوءة بشكل عام.

مسجد بيتالينغ بؤرة التفشي

حدثٌ آخر كان علامة فارقة في منحنى تفشي الفيروس في ماليزيا، حيث شهد مسجد سري بيتالينغ بالعاصمة كوالالمبور، مؤتمراً دينياً كبيراً لجماعة التبليغ، حضره أكثر من 15000 شخص من مختلف دول العالم ثلثهم من ماليزيا، حيث تبين أن أحد المشاركين في الفعالية شخص بروني مصاب، نقل العدوى لشخصين ماليزيين من الحاضرين، ومن هنا بدأت سلسلة العدوى التي قفزت بالأرقام تصاعدياً لتصل حتى كتابة هذا المقال إلى أكثر من ثمانمائة شخص، و16 حالة وفاة جلهم من المشاركين في حدث “بيتالينغ” الذي أصبح أشهر بؤرة عدوى على نطاق ماليزيا.

توزعت الحالات في ماليزيا بشكل مثير، مع احتفاظ ولاية سيلانجور بصدارة أعداد الإصابات التي تجاوزت أربعمائة حالة حتى اللحظة، كما لم تخل ولاية واحدة في البلاد من ذلك الفيروس الخطير الذي انتشر بين السكان بشكل متسارع، وذلك بالتزامن مع انتشاره عالمياً وخاصة في الدول المجاورة لماليزيا والتي لم تسلم هي الأخرى من تفشي الفيروس على أراضيها.

تقييد الحركة هو الحل

إذاً لم تجد ماليزيا من الإغلاق بُداً، فتطويق انتشار الفيروس استلزم إعلان الحكومة الجديدة برئاسة محيي الدين ياسين في الثامن عشر من شهر مارس الجاري فرض قرار تقييد الحركة وحظر السفر إلى ماليزيا، وتقليص السفر من ماليزيا إلى دول العالم إلا لبعض الاستثناءات، كما تعطلت جميع قطاعات العمل عدا الأساسية منها كالصحة والداخلية، وإغلاق الطرق السريعة الرئيسية ونشر حواجز التفتيش، ومنع التنقل بين الولايات إلا لحالات الضرورة القصوى.

استهتار بالقرار

ومع نوع من الاستهتار لمسته الحكومة الماليزية في بداية نفاذ قرار تقييد الحركة، كان لابد عليها من أن تكون أكثر صرامة، حيث خرج رئيس الوزراء الماليزي محيي الدين ياسين في خطاب متلفز عاتب فيه شعبه، وناشدهم بالانصياع للقرارات والتزام البيوت، قبل أن يطل عليهم ثانية في خطاب حازم قرر فيه نشر قوات الجيش الماليزي في شوارع البلاد لفرض تقييد الحركة بشكل أكبر.

خطوة يراها كثير من المراقبين للوضع الماليزي أنها ضرورية، وحققت مزيداً من الالتزام الشعبي بالقرار الذي من شأنه تعزيز التباعد الاجتماعي وتقليل نسبة العدوى بين المواطنين، في حين يرى البعض أنها ستحد من انتشار الفيروس على المدى التراكمي البعيد، رغم أن الأرقام -حتى اللحظة- لا تبد أنها تتناقص كما كان متوقعاً، عدا إحصائية يوم الرابع والعشرين من مارس والتي ضمت 106 حالات فقط بعكس الأيام التي سبقتها والتي وصلت لأكثر من مائتين، علاوة على تسجيل حالة وفاة واحدة فقط في ذلك اليوم.

الأرقام تتكلم

ومع ترقب الإحصائيات اليومية التي تطلقها وزارة الصحة الماليزية في تمام الساعة الخامسة من كل يوم، تبقى هذه الأرقام فقط هي الكفيلة بالحكم على نجاعة الإجراءات الحالية، وتحديد ما إذا كانت الحكومة بخطواتها التصاعدية استطاعت كبح جماح الفيروس، أم أن الأمور قد خرجت عن السيطرة، كما هو الحال في بعض دول العالم لاسيما إيطاليا، التي يقارن البعض تجربتها بالحالة الماليزية، حيث أنها بدأت بحالات قليلة، قبل أن تبدأ الأعداد بالارتفاع بشكل أذهل الطليان والعالم أجمع.

خسائر وتعويضات

وبالتزامن مع ذلك تدفع ماليزيا فاتورة باهظة من الخسائر الاقتصادية الفادحة التي تكبدتها جراء انتشار الفيروس، ولاسيما قطاع السياحة والسفر الذي أصبح مشلولاً بعد قرار الإغلاق، وكذلك تعطل سبل الرزق والدخل اليومي لكثير من العمال والموظفين الذين لم يعد بمقدورهم الخروج للعمل، علاوة على ازدياد احتياجاتهم الشرائية للسلع والمواد التموينية خلال فترة تقييد الحركة وجلوسهم في البيوت، مما دفع الحكومة لتقديم بعض التسهيلات المالية والتي من أبرزها حزمة التحفيز الاقتصادي، وكذلك السماح لبعض فئات الموظفين بسحب مبالغ نقدية شهرية من مدخراتهم لدى الحكومة، كما عززت الحكومة ميزانية كثير من وزاراتها لاسيما الصحة والداخلية.

تمديد الإغلاق

وها هو محيي الدين ياسين يطل على شعبه للمرة الثالثة خلال فترة الإغلاق ليعلن هذه المرة ارتفاع نسبة الالتزام بقرار تقييد الحركة في أوساط الماليزيين إلى 95%، في إشارة لنجاح جهود حكومته في فرض القرار خاصة بعد تدخل الجيش، كما أكد استمرار فترة تقييد الحركة حتى الرابع عشر من شهر أبريل المقبل.

قرارٌ قد يكون وقعه شديدًا على كثير من شرائح المجتمع الماليزي، وكذلك المقيمين من الجاليات الأخرى في البلاد، والذين سيعانون من مزيد من الخسائر المادية والمعنوية التي ستنجم عن بقائهم في بيوتهم وتعطل مصالحهم لأسبوعين إضافيين، غير أن الوضع الراهن يفرض نفسه بضرورة الالتزام بالقرار إذ أن تلك الخسائر مهما كانت، لا تصل لخطورة الوضع حال تفشى الفيروس المميت أكثر داخل البلاد.

تجنب السيناريو الصعب

وبالتزامن مع ذلك تسعى وزارت الحكومة الثامنة الوليدة، التي تقف على قدم وساق في هذه المواجهة، لتفادي السيناريو الكارثي الذي لا تحمد عقباه، والمتمثل في التجربة الإيطالية ومن بعدها الإيرانية، واللتان تمثلان هاجساً مقلقاً لها ولكافة الدول التي بدأت بحالات قليلة وسرعان ما تضاعفت الأرقام إلى الآلاف، حيث أن اللجنة الوطنية لمكافحة الوباء تدرك ذلك جيداً وتحاول تفاديه بشتى الطرق، والتي كان آخرها ما توصلّت إليه من اتفاق لاستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وما يعرف بتحليل البيانات الضخمة، لتبادل البيانات وتعزيز التعاون بين الوزارات المختلفة، مما سيساعد في عمليات تشخيص الإصابات ومن ثم ضبطها، وكذلك تفعيل الدراسات المتعلقة بالوباء والعقاقير بشكل عام.

كما تسير ماليزيا بخطوات خارجية نحو استقطاب الخبراء الصينيين أصحاب التجربة الأولى في التعامل مع كورونا في بلادهم، كما صرح بذلك وزير الخارجية الماليزي مؤخراً، بهدف تدريب وتعزيز طواقمها المحلية التي تم رفدها أيضاً بآلافٍ من المتطوعين والمتقاعدين، خطوة تضاف لأخواتها من الخطوات المهمة على الصعيد الداخلي، مما يزيد من الأمل والثقة لدى المواطنين بأن البلاد تسير نحو ضبط انتشار الفيروس وتجنب أي تأخر في معالجة الوضع الراهن، وهو ما تشعر به الجاليات العربية داخل ماليزيا، كما جاء على لسان العديد من سفرائها وممثليها، الذين طمأنوا رعاياهم وأشادوا بالجهود المبذولة، آملين أن تفضي هذه الإجراءات إلى القضاء على الوباء داخل ماليزيا بشكل تام.

وتبقى ماليزيا في حالة الترقب والتأهب هذه، حالها حال معظم دول العالم التي تعاني هي الأخرى من هذا الخطر الجديد الآخذ بالانتشار، والذي قد يفضي لنتائج وتغييرات في المشهد العالمي قد تتعدى حدود المرض ذاته لما هو أبعد من ذلك على الصعيد السياسي والاقتصادي، خاصة مع الاستقطاب المتزايد بين الصين المتباهية الآن بتطويقها للفيروس، وبين الولايات المتحدة الأمريكية التي تكتوي بناره في هذه الأيام في ظل ارتفاع نسب الإصابات والضحايا يوماً بعد يوم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
WhatsApp chat