بخسائر تقارب ٤ مليون رنجيت… تفاصيل قضية تأشيرات الحج المزورة في ماليزيا
كوالالمبور – “أسواق”
ضجت ماليزيا منذ بداية الأسبوع الماضي بأنباء تعثر سفر حوالي 400 حاج من مطار كوالالمبور الدولي إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج، وذلك بعدما تبين أنهم تعرضوا لعمليات خداع كلفتهم الملايين وتركتهم بدون أي وثائق أو أوراق تخولهم مغادرة البلاد أو دخول أراضي المملكة العربية السعودية، في فضيحة كبيرة أثارت الرأي العالم في ماليزيا خصوصاً أنها ترتبط بقضية دينية حساسة مثل فريضة الحج.
القصة بدأت صباح يوم 8 يوليو الجاري بعدما نشرت وسائل الإعلام الماليزية خبراً عن حوالي 380 حاجاً عالقين في القاعة الخامسة في مطار كوالالمبور الدولي بعدما تبين أنهم تعرضوا للاحتيال من قبل إحدى وكالات السفر التي توفر برامج الحج للماليزيين.
وكالة السفر خدعت الحجاج عبر توفير تأشيرات حج خاصة والتي تعرف باسم “فرادى” دون المرور بإجراءات وكالة الحج الحكومية “تابونج حجي”، وهي إحدى التأشيرات الخاصة التي تقدمها المملكة العربية السعودية خارج الحصة المحددة لماليزيا من خلال مؤسسة تابونج حجي.
ونقلت صحيفة ذا ستار المحلية عن أحد الحجاج قوله إن الوكالة التي منحتهم التأشيرات طلبت منهم التواجد في مطار كوالالمبور تمام الساعة 4.30 مساء يوم الخميس (7 يوليو) ثم أخبرتهم بأن رحلة الطيران تأجلت للساعة 7 من مساء نفس اليوم، لكن الحجاج اكتشفوا عند وصولهم إلى المطار أن آخر الرحلات إلى مدينة جدة في السعودية قد غادرت المطار تمام الساعة 6 مساءً.
وبقي الحجاج في الانتظار عالقين في مطار كوالالمبور حتى صباح اليوم التالي دون أي تواصل أو رد من وكالة السفر التي ادعت إصدار تأشيرات الحج.
وبحسب الخطة التي قدمتها الوكالة للحجاج فإنه كان من المفترض أن يغادروا إلى مدينة جدة يوم الثلاثاء (5 يوليو) من كوالالمبور لكن تم تأجيل ذلك بسبب ما ادعت الشركة أنها بطء في استكمال بعض المعاملات، وأكد الحاج في كلامه للصحيفة أنه لم يتمكن هو وجميع من معه في المجموعة من الاطلاع ولو لمرة واحدة على تذاكر الطيران وتأشيرات الحج المزعومة.
وصرحت حاجّة تدعى جميلة وتبلغ من العمر 59 عاماً أنها لا تملك حلاً سوى الرضى بما حصل لها واعتباره من القضاء والقدر، حيث دفعت مبلغاً يتجاوز 76,000 رنجيت لأداء الحج مع زوجها.
وقالت “هذا امتحان من الله تعالى، وحتى الآن لم نحصل على جوازات سفرنا بعد والتي لا زالت بحوزة وكالة السفر،” مضيفة أن فريقاً من وكالة السفر قابل الحجاج لكنه لم يقدم لهم أي تفسير حول التأجيلات المستمرة ولم يعرض عليهم تذاكر الطيران أو تأشيرات الحج، حيث طلبوا من الحجاج الثقة بهم.
تحقيقات عاجلة
أصداء عملية الاحتيال ترددت في جميع أنحاء ماليزيا وأثارت غضباً شعبياً كبيراً وهو ما دفع بوزير الشؤون الدينية في مكتب رئيس الوزراء الماليزي إدريس أحمد للدعوة لتحقيق فوري ومفصل في الحادثة من قبل السلطات، وذلك في بيان رسمي أصدره في 8 يوليو عقب انتشار أنباء القضية.
وعبر الوزير في بيانه عن خيبة أمله في الأحداث الحاصلة كونها ترتبط بأحد أركان الدين الإسلامي ولا يجوز العبث بها من قبل أي أحد بما فيه وكالات السفر التي تتعامل مع الحجاج.
وأكد أنه في حال وجدت أي أدلة على عمليات احتيال مرتبطة بالقضية فسيتم جلب جميع المتورطين للمثول أمام القانون ليتلقوا عقابهم وليكونوا عبرة للآخرين، بحسب تعبيره.
ونبه الوزير الماليزيين إلى ضرورة أخذ الحيطة والحذر عندما يتعلق الأمر بمثل هذه القضايا ونصح بالحصول على مشورة وكالة الحج الوطنية (تابونج حجي) حول أي خدمات لتأشيرات الحج خارج حصة الوكالة.
في يوم 10 يوليو أعلنت الشرطة الماليزية على لسان رئيس جهاز الشرطة في ولاية سيلانجور آرون جنيدي محمد عن اعتقال خمسة أشخاص بينهم مالك وكالة سياحية لمدة ثلاثة أيام على ذمة التحقيقات في قضية تأشيرات الحج المزورة.
وقال رئيس الشرطة إن جميع المتهمين الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و 60 عاماً اعتقلوا قرب العاصمة كوالالمبور تمام الساعة 9 صباحاً يوم الجمعة (8 يوليو)، مضيفاً أن القضية تم تحويلها لشرطة سيلانجور للاشتباه بأن عملية الاحتيال تمت في الولاية.
ونقلت وكالة الأنباء الماليزية برناما عند رئيس الشرطة قوله إنه تم توقيف جميع المتهمين بحسب البند 117 من قانون الإجراءات الجنائية حيث يتم التحقيق معهم تحت البند 420 من قانون العقوبات بتهمة الاحتيال.
فيما أعلن رئيس قسم شرطة وانجسا ماجو في العاصمة كوالالمبور يوم السبت (9 يوليو) عن اعتقال خمسة أشخاص بينهم امرأتان على ذمة التحقيق في قضية تأشيرات حج مزورة بمبالغ تزيد عن 2.37 مليون رنجيت.
من جانب آخر اعتبرت العديد من وكالات السفر التي تعاملت مع الشركة المتهمة بعملية الاحتيال أنهم وقعوا ضحية الاحتيال حالهم كحال الحجاج الذين علقوا في مطار كوالالمبور، وذلك في تصريحات لصحيفة فري ماليزيا توداي المحلية.
وقال أحد وكلاء السفر أن العديد من زملائه الذين أدرجوا عملائهم تحت تلك الشركة للحصول على تأشيرات الحج تعرضوا للخداع، مضيفاً أن الشركة استعملت “أسماء كبيرة”-بحسب وصفه-لكسب ثقة وكلاء السفر والعملاء قبل بيعهم تأشيرات وبرامج الحج المزورة.
وأكد وكيل السفر الذي عرف عن نفسه باسم “ناز” أنه قلق من تلقي اللوم من قبل العملاء الذين لا يعرفون كيفية العمل في مجال برامج الحج وتأشيرات السفر وأنه خائف من أن يتسبب ذلك بضرر لأعماله في المستقبل.
وقال “نحت مجرد وكلاء سفر والحجاج يسجلون في برامج الحج عن طريقنا، وعادة ما تشرف الشركات التي نتعامل معها على موضوع تأمين تذاكر السفر والتأشيرات.”
خسائر كبيرة
مع وضوح تفاصيل عملية الاحتيال التي تعرض لها الحجاج تبين كذلك حجم الخسائر الكبيرة التي تعرضوا لها والتي قدرتها تقارير الشرطة الماليزية بحوالي 3.95 مليون رنجيت، بناء على 72 تقريراً تلقتها من مختلف أنحاء البلاد بخصوص تأشيرات وبرامج الحج المزورة ضد ثلاث وكالات سفر.
وقالت سكرتيرة الشرطة الماليزية نورسيا سعد الدين إن العاصمة كوالالمبور سجلت 24 تقريراً بخسائر تبلغ 1.2 مليون رنجيت تليها ولاية سيلانجور بـ 14 تقريراً وخسائر تبلغ 404,000 رنجيت ماليزي، فيما سجلت ولاية باهانج خسائر تبلغ 1.6 مليون رنجيت وتضم 13 تقريراً وبلغ مجموع خسائر ولايات كلانتان وجوهور وبيراك 556,000 رنجيت بمجوع 15 تقريراً.
وبحسب التقديرات فإن عدد الحجاج الذين تعرضوا للاحتيال بلغ حوالي 400 حاج من مختلف الولايات، ولا زالت التحقيقات مستمرة مع المتهمين لمعرفة المزيد من التفاصيل والمتورطين المحتملين في عملية الاحتيال التي هزت الشارع الماليزي.
ومن المتوقع أن تفتح هذه القضية الباب على ظاهرة الاحتيال التي تتكرر كل عام وتتسبب بخسارة الملايين خصوصاً أنها تستهدف الكثير من كبار السن وغير المتعلمين حيث تستهدف هذه الوكالات تلك الفئات لسهولة الاحتيال عليها.
الأحداث الأخيرة قد تفتح المجال لتحقيق ضخم على مستوى البلاد لمحاسبة جميع المتورطين في عمليات الاحتيال التي تمس واحد من أهم أركان الدين الإسلامي والذي يشمل رحلة الحج التي قد لا يحظى البعض بفرصة تجربتها سوى مرة واحدة في حياته.



