
أستانا – في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة وتنامي دور آسيا الوسطى في المشهد الدولي، تبرز كازاخستان اليوم كجسرٍ استراتيجي بين الشرق والغرب، وبين موارد آسيا الوسطى ورؤوس الأموال الخليجية الطموحة، فقد فتحت السنوات الأخيرة فصلًا جديدًا من الشراكة بين كازاخستان ودول مجلس التعاون الخليجي — السعودية، قطر، الإمارات، الكويت، البحرين، وسلطنة عُمان، حيث تتقاطع الرؤى التنموية والطموحات الاقتصادية في مجالات الطاقة، والزراعة، والتمويل الإسلامي، والرقمنة، واللوجستيات المستدامة.
ومع صعود الخليج العربي كمركزٍ عالمي للنفط والاستثمار، نجحت كازاخستان في توطيد علاقاتها الثنائية عبر مبادرات ومشاريع كبرى، بدءًا من الشراكة الاستراتيجية مع الإمارات العربية المتحدة في مجال البنية التحتية والطاقة المتجددة، مرورًا بالتقارب الاقتصادي والسياسي المتنامي مع المملكة العربية السعودية في مشاريع الرياح والزراعة الخضراء، وصولًا إلى الطفرة الاستثمارية التي قادتها دولة قطر بمليارات الدولارات في قطاعات الغاز والطاقة والتكنولوجيا الحديثة. كما تمتد علاقات أستانا إلى بقية دول الخليج ضمن إطار التعاون مع مجلس التعاون الخليجي، من خلال القمم والمنتديات التي عززت الحوار حول الأمن الغذائي، والنقل، والمياه، والمناخ.

إنّ ما يجمع كازاخستان ودول الخليج ليس فقط المصالح الاقتصادية أو الجغرافيا السياسية، بل رؤية مشتركة لمستقبلٍ يقوم على الاستدامة، والابتكار، والدبلوماسية الخضراء، حيث تتلاقى التجارب التنموية الطموحة لبناء محورٍ جديد من التعاون بين آسيا الوسطى والعالم العربي، يُعيد رسم خرائط الطاقة والاستثمار والتكامل الإقليمي في القرن الحادي والعشرين.
يُصبح تقارب كازاخستان مع دول الخليج العربية جزءًا من بنية جيوسياسية جديدة تربط شرق آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأفريقيا، ويُطلق الخبراء على هذا التقارب اسم “محور جنوبي مستقل للتعاون بين المناطق سريعة النمو”. كما ترتبط الدول باعتمادها المشترك على الوقود الأحفوري. وهنا، يرى الخبراء فرصًا لتحقيق تحول مشترك في مجال الطاقة من خلال إنشاء تحالف ما بعد الهيدروكربون تشارك فيه كازاخستان والشرق الأوسط.
وتُخصص الحلقة الأخيرة من برنامج “الدبلوماسية الكبرى” على قناة “جيبك جولي” التلفزيونية لتفاعلات كازاخستان مع دول الخليج العربي، التي أصبحت مراكز ثقل رئيسية في السياسة والاستثمار العالميين، وفقًا لتقارير كازينفورم.
كازاخستان ودول الخليج: أرضية مشتركة
تسيطر دول الخليج العربي حاليًا على ما يصل إلى 60% من احتياطيات النفط العالمية وحوالي 40% من غازها، وتستثمر عائدات النفط بنشاط في التنمية الاقتصادية. تُعزز المنطقة حضورها على الساحة العالمية بوتيرة متسارعة، مُشكلةً بذلك أجندة جديدة للسياسة والأعمال العالمية. أصبح مجلس التعاون الخليجي، الذي تأسس في أوائل الثمانينيات، لاعبًا مستقلًا في العلاقات الدولية.


وتشير المستشرقة والمستعربة سامال توليوبايفا إلى أن التقارب بين كازاخستان والمملكة العربية السعودية هو ثمرة إصلاحات واسعة النطاق تُنفَّذ في المملكة، وقالت: أعتقد أن هناك عدة أسباب لذلك، أحد أهمها أن المملكة العربية السعودية تشهد حاليًا تحديثًا واسع النطاق، وسلسلة من الإصلاحات في طيف واسع من المجالات – الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. صورة البلاد آخذة في التغير. وكما هو معروف، لدينا جميعًا العديد من الصور النمطية عن المملكة العربية السعودية – أنها دولة منغلقة ومحافظّة، حيث لا يحكمها سوى الشريعة الإسلامية. ولكن منذ أوائل عشرينيات القرن الماضي، ومع صعود ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، من بين آخرين، إلى السلطة، شرعت البلاد في مسار تحرير اقتصادي. وهذا ينطبق أيضًا على الاقتصاد؛ فالسعودية من أكبر المستثمرين عالميًا، بما في ذلك في بلدنا”، كما أشارت توليوبايفا. الصورة: لقطة شاشة من قناة جيبك جولي.


