أدب وتراث

أزمات المجلات العربية في الشرق الأوسط.. هل هي غياب الرسالة؟ أم العجز عن مواجهة التحديات؟

 

بقلم: الدكتور عبد الرحيم إبراهيم عبد الواحد

 

بداية، لابد من التأكيد على أن المال وحده لا يحدد مصير صناعة المجلات، وفي الوقت نفسه لا يضمن استمراريتها، بل عدد القراء هو من يحدد مصير صناعتها، لذلك يمكننا إطلاق وصف محدد لحالة المجلات العربية في عصر “الرقمية” والتكنولوجيا، بأنها تعاني عثرات كثيرة، لكنها تحاول الصمود، فهي تواجه وبشراسة معضلة التمويل، والتوزيع وانحسار المعلنين وتراجع النسبة في عدد القراء، حيث نرى بأن أزمة صناعة المجلات ونشرها ترتبط قويا بمدى ارتباطها بالأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وخاصة إذا ما علمنا بأن غالبية الدول العربية تعيش حالة عداء مع الثقافة والمثقفين الحقيقين.

ولا ابالغ القول إذا ما رسمت عبر هذه السطور صورة قاتمة عن وضع صناعة النشر والكتاب، خصوصاً في ظل ما بعد جائحة «كورونا» التي أرخت بظلالها الثقيلة على قطاع يتميز أصلاً بـ «الهشاشة» قبل حلول الوباء، وزاد من تفاقم الحالة، تدني مستوى القراءة، والزحف الإلكتروني والرقمي الذي أتى على الأخضر واليابس في هذا القطاع الداعم الاساسي لاستمرارية المجتمعات.

فمنذ بدايات القرن العشرين، واجهت المجلات الثقافية العربية فترات ازدهار وفترات اضمحلال، وهذه الأخيرة أبرز ملامح المرحلة، حيث أن أزمة صناعة المجلات والنشر بشكل عام، وإن كانت تأثرت خلال العامين الماضين بوباء «كورونا»، غير أنها جاءت بسبب غياب الربط بين المشروعين الثقافي والاجتماعي في معظم البلدان العربية، ونعتقد جازمين بأن ذلك هو أصل الأزمات التي تعصف بوضعية المجلات والنشر عموما في دول الشرق الأوسط العربية.

ولا يمكن تجاهل تأثيرات المشاكل والاوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عاشتها وتعيشها بعض الدول العربية، مما أثر سلبا صناعة ونشر المجلات، فيما زادت تداعيات وباء «كورونا»، من تعقيدات الأوضاع الخاصة بالنشر، حيث لم يعد هناك معارض نشر، بل توقف 35 في المائة من الناشرين العرب عن الطبع والتوزيع، وانخفاض عدد الإنتاج بشكل يصل إلى 75 في المائة، وكذلك انخفاض عدد الصادرات بنسبة تتراوح بين 50 و75 في المائة.

وهنا السؤال الذي يطرح نفسه، حول أزمة المجلات هل هي غياب الدور أم الرسالة؟ أم عدم القدرة على كيفية التعامل مع الشباب الذي يحلق في فضاءات مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة لم يسبق له مثيل. ومن خلال استقراء الواقع الرسمي والشعبي في المنطقة العربية، يمكننا توصيف دور هذه الدول في النقاط التالية:

– غياب الدولة عن صناعة توزيع المجلات

في ظل الاستقطابات السياسية التي تعيشها غالبية الدول العربية، دخلت الحكومات طرفا يريد أن يراقب كل شيء، إما خوفا من الفتن الطائفية، أو خوفا من الحسابات السياسية الدقيقة، مما أدى بطبيعة الحال الى انه لم يعد للمشروع الثقافي حاليا الأولوية الهامة.

 

لقد فرضت تداعيات فيروس كورونا واقعاً جديداً على الناشرين وصناع المجلات والتوزيع بالعالم العربي، في ظل الصعوبات والمشكلات المتعددة في ميدان النشر والطباعة والتوزيع، حيث جاء الوباء ليغير من آليات عملية النشر ووظيفته والسبب تفكك وتقطيع أوصال ومكانة سوق النشر العربية، مما ساهم في خروج صناعة نشر مجلات بشكل ضعيف وهزيل، بل هناك غياب متعمد وأحيانا اهمال بشأن رؤية بعض الحكومات والدول العربية، وغياب الوعي بأهمية الكتاب في أحيان كثيرة.

 

ومن جانبا وبتواضع، نرى بأن الحل يمكن في التركيز على النقاط التالية:

–  توحيد جهود المهتمين في صناعة المجلات، وعقد اجتماعات عملية مثلا بين اتحاد الناشرين العرب لبحث أشكال التعاون وإزالة الكثير من العقبات والعوائق التي بعضها مفتعل أو مفصود.

 – إعداد برنامج عربي للتحول الرقمي نحو الكتاب الرقمي والصوتي في مجال صناعات النشر، في ظل الغلاء المتنامي للورق وباقي مواد الطباعة، وصعوبات التسويق والتخزين مع تطوير آلية تسمح بإحداث مخازن في المشرق وأخرى في المغرب، بما يسمح للناشرين العرب من تجميع سلعهم قريباً من الأسواق.

–  محاربة القرصنة المعلوماتية وأعمال النشر المختلفة المنشورة عبر الشبكة العنكبوتية.

– التصدي لسرقة حقوق الملكية الفكرية.

– تجسيد هوية صناعة المجلات والرقابة على النشر.

أما بخصوص تأثير الاعلام الإلكتروني على واقع الإعلام المطبوع، تبدو هناك نتائج غير حاسمة، حيث أحدث العصر الرقمي تحولاً في وسائل إنتاج وتوزيع واستخدام الإعلام، وانتهاء عصر سيادة الكلمة المطبوعة، وأصبحت المادة الإعلامية حاليا أكثر اعتماداَ على عدد المشاركات والاعجابات والتغريدات عبر وسائل التواصل المختلفة.

 

وتعيش حالة صناعة المجلات في الشرق الأوسط نشرا وتحريرا وطباعة وتوزيعا، حالة من الحيوية بشكل كبير مع اتساع قاعدة مستخدمي الإنترنت لتصل إلى أكثر من 200 مليون شخص، ومع تنامي دور الإعلام الإلكتروني على حساب الإعلام المطبوع، باتت الوسيلة المعتمدة لإيصال الرسالة أكثر تطوراً، في ظل الثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم، وأصبحت كيفية القراءة والمشاهدة تعتمد أساسا على خيارات متنوعة، من الحواسيب والأجهزة اللوحية إلى الهواتف الذكية وسواها من الأجهزة النقالة،

 

ومع تنامي دور الإعلام الإلكتروني، يبقى السؤال: هل انتهى زمن الإعلام المطبوع إلى غير رجعة؟

تشير استطلاعات الرأي الرئيسية في العدد من الدول حول استخدام الإعلام في الشرق الأوسط  بدا نحو  45 ٪ ممن شملهم الاستطلاع بأنهم يفضلون استخدام كلا الوسيلتين في ترويج العلامات التجارية لعملائهم، فيما أظهرت آراء نسبة مماثلة (45%) تفضيلاً لاستخدام الوسائل الإلكترونية (المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي) لتسليط الضوء على علاماتها التجارية.

 

وفي الإطار نفسه، قال 50% من المشاركين في الاستبيان أنهم يستخدمون الإعلام الرقمي للاطلاع على الأخبار، متجاهلين الوسائل الإخبارية التقليدية مثل الصحف، فيما اعتبرها 20% فقط وسيلتهم المفضلة، وقال  30%من المستطلعين إلى أنهم يفضلون استخدام كلا الوسيلتين، المطبوعة والرقمية، لمعرفة أبرز الأخبار، وأن 85% من المشاركين يفضلون مزيجاً من الإعلام الرقمي المطبوع، وقال 10% أنهم يميلون إلى استخدام الإعلام الإلكتروني، ونحو  5% يفضلون الإعلام المطبوع حصرياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
WhatsApp chat