تصريحات وقرارات… أزمة الدجاج تحاصر معيشة الماليزيين
كوالالمبور – “أسواق”
من بين العديد من الأزمات المعيشية المرتبطة بالتضخم الاقتصادي الذي تعيشه ماليزيا والكثير من الدول مؤخراً، تبرز أزمة الدجاج في صدارة عناوين الأخبار المحلية في ماليزيا كونها تعتبر من أهم المواد الغذائية على طاولة الماليزيين، خصوصاً مع الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار الدجاج في البلاد مما دفع بالحكومة إلى حظر تصدير الدجاج إلى سنغافورة منذ بداية شهر يونيو الماضي في محاولة للحد من النقص وارتفاع الأسعار.
حظر التصدير لم يكن كافياً لتخفيف حدة الأزمة التي أثارت غضباً كبيراً لدى الكثير من الماليزيين على أداء الحكومة الاقتصادي، ودفع ببعض الجهات الطلابية والسياسية للتظاهر ضد الوضع الاقتصادي وبعض قرارات الحكومة مثل قرار رفع الدعم عن مادة زيت الطهي والذي أدى لارتفاع كبير في أسعارها وصل إلى أكثر من 50 بالمائة.
الحكومة الماليزية سارعت لإعلان مبادرة اقتصادية لتحديد سقف لأسعار الدجاج في 30 يونيو الماضي، حيث بدأ تطبيقه من 1 يوليو الجاري، وينص القرار على تحديد سعر كيلوجرام الدجاج عند 9.40 رنجيت ماليزي مقارنة بالسعر السابق والذي كان 8.90 رنجيت، وذلك بعد الارتفاع الكبير في الأسعار حيث وصل سعر كيلوجرام الدجاج إلى أكثر من 11 رنجيت.
وبحسب بحث أصدرته مؤسسة (MDIF) فإن سعر الدجاج قد يصل إلى حدود 12 رنجيت للكيلوجرام في حال قررت الحكومة تعويم سعر المادة، في حين يسجل السعر الجديد الذي حددته الحكومة في شبه الجزيرة الماليزية زيادة تبلغ 5.6 بالمائة.
كذلك منحت الحكومة الإذن لمنظمة اتحاد الفلاحين في البلاد لاستيراد أكثر من 4,500 طن من الدجاج من تايلاند، وذلك للمساهمة في استقرار الأسعار وتزويد الدجاج في الأسواق المحلية، وعلقت (MDIF) على ذلك بالقول “نتوقع أن تساهم هذه العملية في تخفيف الضغط على أسعار الدجاج في الوقت الحالي، ونعتقد أن الحكومة ستنظر في المستقبل القريب نحو إيجاد وسائل أخرى للتعامل مع الموضوع على المدى الطويل.”
الدعم المباشر
في خضم الاستياء الكبير الذي يحيط بالأجواء في الشارع الماليزي ودعوات من المعارضة لاتخاذ قرارات من شأنها تخفيف المعاناة المعيشية للمواطنين، أعلنت الحكومة الماليزية عن إقرار أكبر دعم غذائي ومعيشي مباشر في تاريخها، حيث قد تصل قيمته إلى 80 مليار رنجيت، بحسب ما أعلنه رئيس الوزراء الماليزي إسماعيل صبري يعقوب.
وقال رئيس الوزراء إن حزمة الدعم الكبيرة هي جزء من عمل الحكومة لتبني إجراءات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد للتعامل مع الهموم المعيشية للمواطنين، ومن ضمن ذلك تقديم دعم يتجاوز 70 مليار رنجيت هذا العام للحرص على تخفيف العبء عن كاهل المواطنين، بحسب تعبيره.
وقال إسماعيل صبري “علينا أن نوضح أن ارتفاع تكاليف المعيشية ليست قضية تخص ماليزيا وحدها بل تحصل في العالم كله، ونحن لسنا مختلفين عن العالم وتربطنا علاقات بالدول الأخرى.”
وعلّق رئيس الوزراء على قضية الدجاج والدعم المقدم من الحكومة بالقول إن حكومته اضطرت للتعامل مع القضية كونها قضية غذائية حساسة، حيث استوردت الحكومة غذاء الدجاج من الخارج كونها لا تنتج الذرة والصويا وهو ما تسبب بارتفاع الأسعار.
واعتبر رئيس الوزراء أن معدل التضخم في ماليزيا والذي تجاوز 2 بالمائة لا زال منخفضاً مقارنة بدول أخرى مثل الولايات المتحدة (9 بالمائة) والدول الأوروبية (8 – 10 بالمائة) والمملكة المتحدة (12 بالمائة)، وقال “معدل التضخم لدينا يحصل بسبب تقديم الحكومة لبرامج الدعم وبدونها قد يصل التضخم إلى معدل يتراوح ما بين 8 – 11 بالمائة.”
ويضم برنامج الدعم المباشر الذي أعلنت عنه الحكومة بقيمة حوالي 77.7 مليار رنجيت دعماً لأسعار الدجاج والوقود والكهرباء، والبيض وزيت الطهي وفواتير الماء، بمخصصات تبلغ 37.7 مليار للوقود وحوالي 4 مليار لزيت الطهي والطحين و9.7 مليار رنجيت لفواتير الماء والكهرباء.
من جانب آخر أعلنت الحكومة عن تأسيس مجلس خاص للتعامل مع قضية التضخم وذلك بهدف إعلان “الجهاد” على التضخم الاقتصادي بحسب تعبير الحكومة في بيانها الرسمي.
ويضم المجلس خمسة أعضاء برئاسة وزير الاتصالات والوسائط المتعددة أنور موسى، أما بقية الأعضاء فهم وزير المالية تنكو ظفرول عبد العزيز، ووزير الزراعة والمنتجات الغذائية رونالد كياندي، ووزير التجارة الداخلية وشؤون المستهلك ألكسندر نانتا لينجي ووزير الاقتصاد مصطفى محمد والسكرتير العام للحكومة زوكي علي.
تصريحات مثيرة للجدل
لا تخلو أي مبادرة أو إعلان حكومي في ماليزيا من التصريحات التي تتصدر العناوين في ماليزيا وتكون مقدمة للتراشق السياسي والإعلامي بين الحكومة والمعارضة وغيرها من ممثلي المصلحة العامة، وهذه المرة كان رئيس الوزراء إسماعيل صبري بطل المشهد بعد تصريحات اعتبرها مراقبون تحريضية ضد الأجانب وتهدف لاستخدام النفس الشعبوي للتغطية على الأزمة الاقتصادية في البلاد.
حيث قال رئيس الوزراء في تصريحات تعليقاً على الدعم الذي قدمته الحكومة لأسعار الدجاج إن الأجانب المقيمين في ماليزيا يستفيدون كذلك من الدعم المقدم للمادة، معبراً عن استيائه من ذلك كون الدعم يهدف لتخفيف عبء الماليزيين وكون الدعم يأتي من أموال “دافعي الضرائب الماليزيين” بحسب تعبيره.
وقال إسماعيل صبري “حتى العمال من بنغلاديش واللاجئون الروهينغا الذين كثيراً ما ننتقدهم سيستفيدون من الدعم الذي ندفع نحن تكلفته” منوهاً إلى أن الحكومة دفعت أكثر من 700 مليون رنجيت على دعم أسعار الدجاج.
واعتبر بعض المراقبين والناشطين في مجال حقوق الإنسان أن تصريحات رئيس الوزراء تحريضية ضد المهاجرين والأجانب، وتهدف لإثارة الكراهية ضدهم في محاولة لإبعاد أنظار الماليزيين عن الأزمة الاقتصادية الحالية، فيما شبه أحد الناشطين تصريحات إسماعيل صبري بأسلوب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في محاولة رمي اللوم على الفئات المهمشة والتي لا تستطيع الدفاع عن نفسها.
كذلك تلقت الحكومة انتقادات كبيرة بعد تأسيس المجلس الخاص لمكافحة التضخم، حيث اعتبر العديد من المراقبين أن المجلس لا يضم خبرات تكنوقراط كافية للتعامل مع القضية، وأن مجلساً كهذا يحتاج لخبراء اقتصاديين وليس وزراء بحقائب حكومية يتم توزيعها على أساس سياسي.
إضافة لذلك تداول العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي صوراً توضح حجم الإنفاق الكبير للسياسيين ومن بينهم رئيس الوزراء على الملابس والحقائب وغيرها من الحاجيات عبر إبراز السعر الحقيقي لتلك المنتجات مقارنة بأجور المواطنين خصوصاً في فترة تعاني فيها البلاد من ارتفاع غير مسبوق في الأسعار.
ورغم أن العديد من الخبراء يعتقدون أن سعر الدجاج سيستقر في الفترة المقبلة إلا أن قضية الغلاء مرشحة للعودة بقوة مع انتهاء الدعم الحكومي واحتمالية استمرار المشاكل في سلاسل التوريد وأزمة ارتفاع أسعار غذاء الدجاج ونقص الإنتاج الكافي لتلبية الطلب الدولي، وهو ما يجعل من الضرورة بمكان إيجاد خطط شاملة للتعامل مع القضية في السنوات المقبلة.


