اقتصاد

التنمية الماليزية والركائز الاجتماعية والإنسانية

كوالالمبور – “أسواق”

اهتمت التجربة التنموية في ماليزيا بالجوانب الاجتماعية والإنسانية بشكل ملحوظ، حيث كان هناك نوع من التكامل بين هذا الجانب والجوانب الأخرى لا سميا الاقتصادية، حيث عزز نجاح اقتصادها تمتع الفرد الماليزي بالرفاهية المعيشية هذا من جهة ومن جهة أخرى عزز إرادته نحو العمل والتقديم أكثر، فالاقتصاد الماليزي هو في الأساس قائم على الفرد ولأجله ، حيث حققت ماليزيا نتائج باهرة في مجال مكافحة الفقر والتقليص من نسب البطالة وتحسين نوعية وجودة الخدمات المقدمة.

التخفيض من نسب الفقر

 لقد شهدت مرحلة السبعينيات في ماليزيا أسوء المراحل من حيث ارتفاع نسب الفقر حيث شكل نسبة 52.4% في بداية السبعينيات، وبفضل السياسات التنموية الخماسية التي تم انتهاجها من قبل السلطات الماليزية والتي شهدت استمرارية وعطاء أكثر مع مرور السنوات، حتى بلغت نسبة الفقر سنة 2000 إلى حوالي 5.5% وهو ما يشكل تناقضا بحوالي 3 أضعاف عما كان عليه في السبعينيات، غير ان هذه النتائج لم تتوقف عند نهاية التسعينيات فقط بل استمرت إلى غاية يومنا هذا، والهدف من ورائها القضاء إطلاقا على ظاهرة الفقر في ماليزيا، وهذه العملية سارت بالتوازي بين المدن الحضارية والأرياف، وهدفت إلى تحقيق مكسبين رئيسيين هما: تخفيض نسبة الفقر من جهة وإعادة هيكلة المجتمع من جهة أخرى، هذا بالنظر إلى أن تحقيق مستويات عالية من النمو الاقتصادي هو يؤثر مباشرة في هيكلة المجتمع، حيث أن “النمو الاقتصادي بالضرورة يقود إلى المساواة في الدخل” ، وهو ما سمح لماليزيا بتجاوز اختلافاتها العرقية والقضاء على الفوارق الاجتماعية بالنظر إلى اتساع رقعة التعددية العرقية في الدولة والتي لولا انتهاجها لسياسات القضاء على الفقر والفوارق الاجتماعية لكانت معول هدم ولصارت ماليزيا كغيرها من الدول التي تشهد هذا النوع من الصراعات دولة فاشلة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وحضاريا.

وقد تمحورت سياسات القضاء على الفقر في النقاط التالية:

– تطبيق الضريبة التصاعدية على الدخل.

– إعادة هيكلة العمالة وزيادة تنمية الأعمال التجارية والصناعية للغالبية الفقيرة.

– تأسيس شبكة عمل مع مؤسسة مكافحة الفقر وإنشاء روابط مع المؤسسات المعنية بالتنمية والتطوير الريفي.

– تشجيع المسلمين في الدولة على توجيه أموال الزكاة نحو صندوق جمع الزكاة القومي في مقابل تخفيض الضرائب عليهم.

– تقديم برامج لدعم الفقراء مثل برنامج التنمية للأسر الأشد فقرا

– توفير مرافق البنية الأساسية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق النائية الفقيرة كالاتصالات السلكية واللاسلكية ومد الطرق وغيرها.

– سياسات دعم الأدوية المنقذة للحياة للفقراء ومجانية العلاج في العديد من الأمراض.

– القيام بأنشطة يستفيد منها السكان كإقامة المدارس الدينية التي تتم بالعون الشعبي وغيرها.

التقليص من نسبة البطالة

لقد حققت ماليزيا في الفترة الأخيرة انجازات جبارة فيما يخص القضاء على نسب البطالة التي كانت تشكل حوالي 10% خلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين لتصل إلى أقل من 3% خلال القرن الواحد والعشرين، متخطية بذلك بقية الدول الإسلامية والعربية خصوصا والتي دأبت للقضاء على هذه الظاهرة في نفس الفترة التي خطت فيها ماليزيا سياسات القضاء على البطالة. ويصف الخبير التنموي الدكتور عبد الحميد الغزالي، الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة التجربة الماليزية في محاربة البطالة بالتجربة الرائدة، مشيرا إلى أنها نجحت إلى أن وصلت إلى حد الحاجة إلى العمالة، وأرجع هذا التقدم إلى تميزها في مجال التخطيط الجيد لتنمية الاقتصاد، والذي يركز على الصناعات الحديثة كثيفة العمالة، ومنخفضة رأس المال في آن واحد مثل الصناعات الالكترونية التي استوعبت أعدادا كبيرة من الأيادي العاملة.

ثم إن الرؤية الماليزية 2020كانت دافعا كبيرا نحو جذب الاستثمارات الأجنبية وبالتالي توفير مناصب الشغل، والتي فاضت في الكثير من المجالات عن حاجات السكان الأصليين وفتحت المجال لتوفير العمالة من الخارج. وهو ما جعل ماليزيا من أكثر دول جنوب شرق آسيا جذبا للعمالة، حيث أعلن نائب الوزير السابق للموارد البشرية الماليزية عبد الرحمان بكر، أن ماليزيا سجلت ثاني أدنى نسبة للبطالة بين دول رابطة الآسيان بعد سنغافورة وضمن ال20 دولة الأقل بطالة في العالم.

الرعاية الصحية

إن ما يميز الخدمات الصحية الماليزية عن غيرها من الخدمات الأخرى سواء في الدول المجاورة أو غيرها هو الدعم الحكومي المتزايد والمرسوم وفق احتياجات المجتمع وبناءا على خطط إستراتيجية تراعي حاجات الحاضر دون الإخلال بمتطلبات المستقبل، حيث تتمتع المستشفيات الماليزية بجودة عالية في تقديم الخدمات واستطاعت الحصول على شهادة الايزو 9002، وهو ما يخولها لتكون مستشفيات دولية ومحل إقبال عالمي، والحكومة الماليزية تتكفل بتغطية نفقات نحو 98% من تكاليف الرعاية الصحية، ولا يشمل ذلك السكان الأصليين بل حتى الأجانب منهم بغض النظر عن ظروف إقامتهم ومدى شرعيتها، حيث نجد مثلا سنة 2009 أن الدولة خصصت ما يقارب 4.8%  من الناتج القومي الإجمالي من أجل تغطية النفقات الصحية.

ومما سبق يمكن القول أن الجهود المعتبرة التي بذلتها الدولة الماليزية قد حققت نتائج مذهلة في المجال الصحي لاسيما ما يتعلق بالفرق الصحية والعيادات المتنقلة وهو الأمر الذي أدى إلى زيادة الغطاء الصحي إلى نسبة 80% وارتفاع متوسط العمر المأمول عند الميلاد بالسنوات إلى 75 بدلا من 69 وانخفاض احتمال الوفاة قبل سن الخامسة لكل 1000 وليد 6 وفيات.

الاهتمام بقطاع التعليم

لقد بدأ الاهتمام الجاد بهذا القطاع في ماليزيا مباشرة بعد استقلالها من الاحتلال البريطاني، إذ بدأت بوضع سياسات متينة لبناء المنظومة التعليمية، ثم إن تحول ماليزيا نحو الاقتصاد الصناعي بعد أن كان جل تركيزها على الاقتصاد الزراعي كان دافعا لها نحو تبني مناهج علمية جديدة تواكب توجهات وطموحات الدولة، وقد شملت رؤية 2020 هذه الطموحات وهدفت إلى جعل ماليزيا ببلوغ سنة 2020 دولة متقدمة من جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وتخلل ذلك العديد من المخططات الخماسية والتي جاءت في إطار إعلان الخطة الشاملة للتنمية القومية منها الخطة الخماسية من 1966- 1970، والخطة الخماسية الثانية من 1971-1975، حيث ركزت من خلالها على جعل التعليم لاسيما الجامعي منه في خدمة الاقتصاد الوطني بالدرجة الأولى. التزام الحكومة بمجانية التعليم الأساسي لإتاحة الفرصة للجميع من أجل التعلم .

الاهتمام بتعليم المرأة ورفع الوعي النسوي والانفتاح على النظم التعليمية المتطورة وإتباع مختلف المناهج الدولية الرائدة، الاهتمام بالتعليم ما قبل المدرسة ( رياض الأطفال(، تركيز التعليم الابتدائي على المعارف الأساسية والمعاني الوطنية، العناية بتأسيس معاهد تدريب المعلمين والتدريب الصناعي، والتوافق مع التطورات التقنية والمعلوماتية.

وعليه يمكن القول أن ماليزيا تخطط لجعل قطاع التعليم قطاعا خلاقا هدفه الأول والأخير هو النهوض بعجلة التنمية الاقتصادية وتدعيمها، واستكمال مخططها الاستراتيجي عام 2020، وبالتالي فهي من خلال اهتمامها بالتعليم فهي تهتم بأنسنة الإنسان وتوسعة مداركه العلمية والحياتية في إطار النهوض بالرأسمال الفكري، وهو ما سيتم التطرق إليه بالتفصيل لاحقا.

المصدر:  المركز العربي للدراسات – وكالات

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp chat