أدب وتراث

شعر البنتون.. رباعياتٌ تنسجُ ثقافة ماليزيا

 

كوالالمبور – “أسواق”

يعد شعر البنتون رمزاً من رموز ماليزيا الثقافية، وهو شعر شعبي كان في بداياته شفوياً قبل أن يتم توثيقه.

ويُعد البنتون الشعر الوطني لبلاد ماليزيا وهو مشهور أيضا لدى الشعوب المالاوية كسنغافورة وأندونيسيا وبروناي وفي مقاطعة باتاني في تايلند.
تتركب قصيدة البنتون من أربعة أبيات مقفاة ومتوازية ( أ ب / ب أ ) على أن يكون التوازي في الأصوات.

ويحمل البيتان الأولان( ويطلق عليهما مرآة المعنى ) في قصيدة البنتون مدًى رمزيا، وهما يعتبران مقدمة وإعدادا لتلقي المعنى الذي سينبثق لاحقا في البيتين الأخيرين من القصيدة الذي يطلق عليه (المقصود) ، وفيهما تتجلى المعاني الأخلاقية والعاطفية والحِكم المرصودة في هذا النص الشعري بالاعتماد على صور شعرية مأخوذة من الطبيعة والوجود.
ومثال ذلك:
الحكمة، من أين تأتي الحكمة؟
– من حقل الأرز تذهب نحو مجرى الماء.
والحب، من أن يجيء إذن؟
– من العينين ، ينزل إلى الكبد.
إن النواة الفاعلة في شعر البنتون ليس في تركيبته (أربعة أبيات مقفاة ومتوازية) فقط، وإنما تتمثل في الصور التي تفعل فعلها بين قسمي القصيدة، على أن لا تكون شديدة الوضوح حتى لا تبتذل المعاني ولا شديدة الغموض فيضيع المعنى بين السطور.
وهذا الشكل من الشعر مرتبط ارتباطا وثيقا بالثقافة الشفوية لشعوب الملاو وبعاداتها وتقاليدها المتوارثة منذ الأزمان القديمة لذلك يكثر فيه ذكر عادات الشعب المالاوي وتظهر لدى القارئ الغريب عن هذه الثقافة بعض الإشارات الملغزة العائدة لِلَعِب شاعر البنتون بالكلمات كما يظهر في هذه القصائد:


أشعاري نصوص غامضة
إذا لم تفهما لا تشعر بالغبن.
* * *
الروح تبكي على أبواب قلبك
إنها تبغي العودة إلى هذا العالم.
وجه شاحب وجسد معذّب
الحياة بدون طعم ولكننا نكره الموت.
* * *
نمل أحمر في جوف الخيزران
إناء مليء بروح الزهر
عندما يمتلئ جسدي بالرّغبة
وحدها حبيبتي تطمئن روحي.
* * *
ازرع الأرز على هضبة جيرام
ازرع ثم استرح على صخرة
كيف للقلب أن لا يرتعش
لمرأى نهد من وراء وشاح.


ويمكن لشعر البنتون أيضا أن يكون متسلسلا مثل قصيدة الرنجا اليابانية على أن يكتب من خلال قاعدة محددة بشروط يجب على الشاعر أن يلتزم بها: البيتان الثاني والرابع في الرباعية الأولى يجب استعادتهما في الرباعية التي تليها كبيت أول وثالث، على أن لا يقل عدد الرباعيات عن ستة وأن تنتهي القصيدة ببيت البداية.
وقد أغوت هذه التقنية في الكتابة الشعرية كثيرا من شعراء فرنسا وأوروبا عندما اكتشفوا شعر البنتون لعل أشهرهم الفرنسيون فيكتور هيقو وتيودور دوبنفيل وشارل بودلار وبول فيرلان . وهذا مفهوم ، فاستعادة الأبيات في القصيدة يجعل لها طابعا دراميا ويحولها إلى مسرح لأحداث لاهثة.
قاعدة أخرى يجب أن تتوفر في قصائد شعر البنتون المتسلسل ، فكما في البتون العادي ذو الرباعية الواحدة يجب أن يكون هناك تمايزا بين الجزء الأول من القصيدة والجزء الثاني منها. فبينما يكون الأول ذو طابع مزاجي احتفالي يركز الشاعر في الثاني على إبراز الأحاسيس والمشاعر، ويظل الحال هكذا حتى نهاية القصيدة.


بنتون متسلسل أول:
أيتها العيون الصماء، أيتها الشفاه الذابلة
في قلبي يسكن حزن مرير.
الريح يقصف الشراع الآبق،
والزبد يلون البحر عند الشفق.

في قلبي يسكن حزن مرير.
هاهي رأسي قد وهبتها للمَلاك
والزبد يلون البحر عند الشفق،
والموج يقذفني نحو الهلاك.

هاهي رأسي قد وهبتها للملاك
بعدما قطعتها بسيفي
والموج يقذفني نحو الهلاك.

إن العرب لم يكتشفوا بعد شعر البنتون، والغريب في الأمر أن شعر البنتون لم يجد الحظوة الكبرى التي وجدتها قصيدة الهايكو اليابانية لدى شعراء أوروبا خاصة وفي العالم بصورة أعم عند ظهوره (يكاد لا يعرف هذا الشعر في الثقافة والأدب العربيين حتى الآن).

والتساؤل هنا هل يعود السبب في ذلك إلى هيبة اليابان والشهرة الكبيرة التي كان يحظى بها الشعر الياباني عامة فانتشر الهايكو في كل الآداب العالمية، أم لأسباب أخرى لعل أهمها صعوبة كتابة هذه النوعية من القصيدة الشعرية التي لا تتوفر اللغات الأخرى (غير الملاوية) على مواصفاتها خاصة في الارتباط المعنوي والدلالي بين الجزء الأول والثاني من الرباعية الشعرية .

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
WhatsApp chat