بعد تأكيدات رئيس الوزراء… هل تعيد ماليزيا ضريبة GST هذا العام؟
كوالالمبور – “أسواق”
قبل أيام وفي مقابلة حصرية مع صحيفة نيكي آسيا في اليابان، قال رئيس الوزراء الماليزي إسماعيل صبري إن حكومته تعمل على خطة شاملة لإعادة فرض ضريبة السلع والخدمات GST في البلاد في أقرب فرصة، وذلك بسبب خسارة الحكومة الماليزية إيرادات تقدر بالمليارات في الفترة الماضية جراء برامج الدعم الاقتصادي إبان ذروة جائحة كوفيد-19.
وأكد إسماعيل صبري أن الحكومة تدرك الصورة السلبية التي يحملها الماليزيون تجاه الضريبة لكنها ستعمل على “توعية المواطنين” حول الضريبة وفوائدها لاقتصاد البلاد، بحسب تعبيره.
وقال رئيس الوزراء “لقد خسرنا 20 مليار رنجيت من الإيرادات منذ إلغاء ضريبة السلع والخدمات واستبدالها بضريبة المبيعات والخدمات القديمة، وماليزيا هي البلد الوحيد في العالم الذي عاد إلى هذا النظام الضريبي.”
تصريحات رئيس الوزراء ترددت في أصداء المشهد الاقتصادي في البلاد حيث دفعت بالعديد من الجهات السياسية والاقتصادية للرد على كلام رئيس الوزراء وخطط حكومته المزمع تنفيذها ما بين معارض ومؤيد للتصريحات.
بداية فإن ضريبة السلع والخدمات GST هي ضريبة تم فرضها للمرة الأولى بنسبة 6% في عام 2015 حيث تشمل هذه الضريبة الكثير من المنتجات والسلع التي يشتريها المستهلكون في ماليزيا بما فيها العديد من السلع الغذائية والطبية، فيما تستثني الضريبة بعض المنتجات الأساسية التي تحددها الحكومة مثل مادة الأرز على سبيل المثال والذي يعتبر المادة الغذائية الرئيسية في ماليزيا.
لكن قدوم حكومة تحالف الأمل في العام 2018 بعد فوز تاريخي في الانتخابات العامة الرابعة عشر أدى لنهاية ضريبة السلع والخدمات والذي كان من ضمن وعود التحالف قبل الانتخابات، وعوضاً عنها تم إقرار ضريبة المبيعات والخدمات SST بنسبة 10%.
ويُمكن تلخيص الفرق بأن ضريبة السلع والخدمات GST هي ضريبة قيمة مضافة تُدفع في كل مرحلة من العملية الاقتصادية مقارنة بضريبة المبيعات والخدمات SST التي تُدفع مرة واحدة ويحمل عبئها المُنتِج أو المستورد. كما أن حجم الضرائب المدفوع في ضريبة GST أقل بالمجمل من ضريبة المبيعات والخدمات وذلك بسبب آليات تحصيل ضريبة المدخلات.
في المحصلة فإن عبء ضريبة السلع والخدمات GST يقع على المستهلك فيما يحمل المُنتِج أو المستورد عبء ضريبة المبيعات والخدمات SST.
الأسعار والاقتصاد الوطني، آراء متضاربة
سارع الاتحاد الفيدرالي للمصنعين في ماليزيا لتأييد تصريحات رئيس الوزراء وخطط الحكومة لإعادة ضريبة السلع والخدمات، حيث قال رئيس الاتحاد سو تيان لي في تصريحات للصحف المحلية إن الاتحاد يرحب بخطة الحكومة لإعادة الضريبة بنسبة لا تشكل عبئاً على الشعب.
وأضاف لي أن ضريبة السلع والخدمات أكثر شفافية وفعالية مقارنة بضريبة المبيعات والخدمات، حيث أجرى الاتحاد الفيدرالي للمصنعين مسحاً في شهر مايو من العام 2020 شمل 499 شركة وأيدت الغالبية الساحقة منها إعادة ضريبة السلع والخدمات.
واعتبر الاتحاد الفيدرالي للمصنعين أن إعادة الضريبة ستسهم كذلك في دعم قدرة الصادرات الماليزية على المنافسة في الأسواق الدولية حيث أن ضريبة السلع والخدمات لا تشمل الصادرات.
وشمل مقترح الاتحاد إعادة ضريبة GST بنسبة 4% وتخفيض نسبة ضرائب الشركات إلى 20%، وفرض نسبة صفر بالمائة من الضريبة على جميع السلع والخدمات الأساسية إضافة لتحديد عتبة التسجيل للضريبة عند 500 ألف رنجيت ماليزي والعمل على تلافي التأخيرات في عمليات استعادة الضريبة خصوصاً للمصدرين.
من جانبه عبّر المجلس الرئاسي لتحالف الأمل المعارض عن رفضه لخطة الحكومة بإعادة ضريبة السلع والخدمات مبرراً ذلك بأن الضريبة ستكون عبئاً إضافياً على المواطنين خصوصاً مع زيادة التضخم الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة والآثار السلبية التي خلفتها جائحة كوفيد-19 على اقتصاد البلاد.
وقال تحالف الأمل إن “إعادة ضريبة السلع والخدمات ستؤدي إلى زيادة كبيرة في أسعار السلع وهو ما سيضاعف معاناة المواطنين بالتوازي مع مشاكل التزويد وانخفاض الأجور.”
وأضاف التحالف إنه يتوجب على رئيس الوزراء استذكار نتائج الانتخابات العامة الرابعة عشر والتي أكدت أن غالبية الماليزيين يرفضون ضريبة السلع والخدمات.
بدوره عبّر الحزب الاشتراكي الماليزي عن معارضته التامة خطة الحكومة لإعادة ضريبة السلع والخدمات بسبب خسارة الحكومة للكثير من الإيرادات، واعتبر أن فرض الضرائب على الأثرياء وأصحاب المليارات في ماليزيا هو الحل عوضاً عن إعادة فرض الضريبة على المواطنين.
ونشر الحزب قائمة المليارديرات الأكثر ثراءاً في ماليزيا وقسمها ضمن خمس مجموعات بحسب حجم الثروة، معتبراً أن الحكومة يُمكنها جني إيرادات تصل إلى 20.52 مليار رنجيت ماليزي عبر فرض ضرائب تتراوح بين 2 – 10% على الثروات التي يمتلكونها.
وقال الحزب في بيان إن “ضريبة الثروة هي ضريبة تفرض على الأصول التي يحوزها الفرد وتفرض الضريبة على من يملك ثروة تبلغ مليار رنجيت وأكثر بالتدريج من 2% وصولاً إلى 10% حسب حجم الثروة التي يملكها الفرد.”
وتمتلك ماليزيا العديد من أصحاب الأعمال والثروات الذين تتجاوز ثروتهم مليار رنجيت وفي مقدمتهم رجل الأعمال روبرت كوك الذي قدرت مؤسسة فوربس ثروته بـ 11.1 مليار دولار أمريكي أي ما يعادل حوالي 50 مليار رنجيت.
وفيما يبدو أن العديد من أصحاب الأعمال والمؤسسات المالية أبدوا حماساً لفكرة إعادة ضريبة السلع والخدمات فإن الوضع لا يبدو كذلك بين المواطنين الماليزيين حيث يتابع الكثيرون أخبار عودة الضريبة بحذر وشكوك حول مدى فائدتها أو الضرر الذي قد تسببه للأوضاع المعيشية غير المستقرة للكثير من الماليزيين.
واقترح رئيس اتحاد الشركات الصغيرة والمتوسطة في ماليزيا دينغ هونغ سينغ أن تقوم الحكومة بإعادة الضريبة بنسبة أقل من السابق وذلك بفرض ضريبة السلع والخدمات عند 4% لتخفيف العبء على المواطنين.
فيما اعتبر رئيس اتحاد المستهلكين في ماليزيا تي سيرافانان إن ضريبة السلع والخدمات تمثل نظاماً عادلاً وشفافاً للضرائب، حيث تم تبنيها بشكل فعال في العام 2015.
لكنه أكد ضرورة الحفاظ على بعض السلع الغذائية والطبية الأساسية بعيداً عن الضريبة حيث سيسهم ذلك في إعادة فرض ضريبة السلع والخدمات دون الإضرار بمعيشة المواطنين.
خطة تدريجية
اعتبر العديد من الخبراء الاقتصاديين أنه من الضروري اتباع منهج التدرج ضمن آليات عودة الضريبة التي تحمل صورة سلبية لدى الكثير من الماليزيين.
وقال الخبير الاقتصادي والمدير العام السابق لإدارة الجمارك الماليزية سوبرامانيام تولاسي في تصريحات لوكالة الأنباء الماليزية برناما إن إعادة ضريبة السلع والخدمات بنسبة 6% يجب أن يتم تقسيمها إلى ضريبة السلع عند 4% وضريبة الخدمات عند 6% كما يجب على الحكومة إعادة النظر بقائمة المنتجات الأساسية المعفاة من الضريبة لتشمل فقط المنتجات الأساسية، وأن يتم ذلك على مراحل دون أن يضر بالمواطنين.
وأضاف تولاسي أن فرض نسب منخفضة من الضريبة سيؤدي فقط لزيادة الدخل المحايد فيما ستسهم نسبة أعلى من الضريبة بزيادة دخل البلاد ورفع أسعار سوق الأسهم، وقال “ستسهم الضريبة بلا شك في دعم الرنجيت أمام الدولار الأمريكي”.
ووصلت عملة البلاد المحلية في الأسابيع الماضية إلى أدنى مستوياتها أمام الدولار منذ سنوات، حيث وصل سعر العملة إلى 4.4 أمام الدولار في ٢ يونيو الجاري.
من جانب آخر اعتبر مدير الجمارك السابق أنه يتوجب على الحكومة رفع الحد الأدنى للتسجيل ضمن ضريبة GST والتي كانت عند 500 ألف رنجيت لتصبح 2 مليون رنجيت، مما سيجنب الشركات الصغيرة مثل متاجر الخضار على سبيل المثال أعباء دفع الضريبة.
رغم أن رئيس الوزراء الماليزي لم يحدد إطاراً زمنياً واضحاً لإعادة فرض ضريبة السلع والخدمات، لكن كلامه خلال المقابلة الصحفية مع نيكي آسيا أكد ما أوردته العديد من المصادر الحكومية والصحفية في شهر مارس الماضي عن نية وزارة المالية إعداد خطة كاملة لإعادة فرض الضريبة عندما تسمح الظروف الاقتصادية بذلك.
والسؤال الأكبر الذي يحيط بهذه الخطة هو ارتباطها بالمشهد السياسي للبلاد، خصوصاً مع التوقعات بحصول انتخابات مبكرة في هذا العام أو التغيير السياسي الذي قد يحصل مع الانتخابات العامة في موعدها الطبيعي في الربع الأول من العام المقبل، والدور الذي قد يلعبه كل ذلك في تسريع خطط إعادة ضريبة السلع والخدمات أو نسفها في حال شهدت البلاد تغييراً جذرياً في المشهد السياسي.


