اقتصاد

أزمات العمالة ومشاكل التكلفة تهدد صناعة زيت النخيل في ماليزيا

كوالالمبور – “أسواق”

تعتبر صناعة زيت النخيل واحداً من أهم القطاعات الاقتصادية في ماليزيا التي تحتل المركز الثاني عالمياً كأكبر مصدر لزيت النخيل بعد إندونيسيا، وهذا القطاع يوظف أكثر من ٤٠٠,٠٠٠ عامل بحسب إحصائيات من العام ٢٠١٢ وتشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أن عدد العمال في مجال زيت النخيل يتجاوز هذا الرقم.

لكن زيت النخيل في ماليزيا كان ولازال يواجه العديد من الأزمات والمشاكل التي تعصف به، خصوصاً أزمات العمالة المرتبطة بانخفاض الأجور والتقارير المستمرة عن الانتهاكات التي يتعرض لها العمال وخصوصاً العمال الأجانب الذين يعملون في المنشآت الزراعية وهو ما دفع بالعديد من الجهات الدولية إلى فرض عقوبات وحظر استيراد منتجات زيت النخيل الماليزي.

التعافي المنتظر لصناعة زيت النخيل الماليزي لا يبدو قابلاً للتحقيق في الوقت الحالي، رغم ارتفاع الطلب على الزيوت القابلة للاستهلاك البشري إلا أن العديد من العوامل الاقتصادية والبشرية تجعل هذا التعافي معقداً في ماليزيا.

أزمة السماد

شهدت الأشهر الأخيرة نقصاً كبيراً في مجال الأسمدة الطبيعية التي تستعمل في صناعة زيت النخيل في ماليزيا، ويشكل السماد 40 بالمائة من تكلفة إنتاج زيت النخيل، حيث ارتفعت أسعاره بشكل كبير على مدى العام الماضي والحالي خصوصاً إبان الحرب الروسية-الأوكرانية، ورغم تراجع السعر في الشهرين الماضيين إلا أن العديد من الشركات لا زالت تواجه صعوبات كبيرة في الحصول على كميات السماد المطلوبة لاستعادة إنتاجها بكامل سعته السابقة.

وأكد اتحاد ملاك الأراضي في ماليزيا إن أشجار زيت النخيل لا يمكنها الوصول إلى إنتاجها بالكامل بسبب النقص في الأسمدة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وقال رئيس الاتحاد جيفري أونغ إن وجود المال ليس المشكلة بل عدم القدرة على الحصول على تلك الأسمدة.

وكانت وزيرة الصناعات الزراعية والسلع زريدة قمر الدين توقعت ارتفاع إنتاج ماليزيا من زيت النخيل في العام الجاري إلى رقم يتراوح بين 23 – 25 مليون طن وبارتفاع عن أقل إنتاج في الأعوام الخمسة الماضية والذي سجلته البلاد في العام الماضي 2021 بواقع 18.1 مليون طن فقط.

لكن اتحاد ملاك الأراضي في ماليزيا والذي يمثل أكبر شركات زيت النخيل في البلاد أشار إلى تقديرات تقل عن 19 مليون طن وتترواح بين 18.5 – 18.7 مليون طن، ومن المتوقع أن يسهم انخفاض الإنتاج في دعم سعر زيت النخيل والذي هبط سعره بحوالي الربع خلال الشهر الحالي، فيما ارتفع سعر العقود الآجلة بنسبة 3.5 بالمائة يوم الخميس الماضي (23 يونيو).

وتتطلب زراعة زيت النخيل أنواعاً خاصة من المغذيات والمعادن التي تتواجد في السماد، ويقل إنتاج الأشجار التي لا تحصل على الغذاء والرعاية المناسبة وهو ما يعني كميات أقل من الزيت المستخلص، حيث يتراوح إنتاج تلك الأشجار بين 15 – 18 كيلوغرام من الزيت مقارنة بـ 25 – 30 كيلوغرام في الأشجار المسمدة.

قضية العمال الأجانب

لا يخفى على المراقبين للشأن الماليزي عدد الأزمات والتقارير الحقوقية التي صدرت عن انتهاكات حقوق العمال الأجانب والمحليين في مجال صناعة زيت النخيل، والعامان الماضيان شهدا تصاعداً كبيراً في الدعوات لمحاسبة الشركات العاملة في هذا المجال وإجبارها على تحسين ظروف العمال ورفع الأجور وحماية حقوقهم.

أزمة العمالة الأجنبية في قطاع زيت النخيل وصلت أوجها في شهر ديسمبر من العام الماضي عندما أعلنت إدارة الجمارك الأمريكية عن حظر استيراد منتجات زيت النخيل من شركة (سايم داربي) في ماليزيا والتي تعتبر أكبر شركة منتجة لزيت النخيل في العالم، وذلك على خلفية تقارير وتحقيقات حول العمالة القسرية وانتهاكات حقوق العمال.

وتضمنت لائحة الاتهامات الموجهة للشركة ارتكابها عمليات تهديد وعقوبات تعسفية وإيذاء جسدي وحد من حرية الحركة واحتجاز الوثائق الشخصية الخاصة بالعمال، وهو ما دفع الجمارك الأمريكية لحظر منتجاتها وإصدار أوامر بمصادرة جميع المنتجات الخاصة بالشركة في الولايات المتحدة.

فرص التعافي في قطاع زيت النخيل تستمر بالتضاؤل مع النقص الحاد في أعداد العمال والذي قدره اتحاد ملاك الأراضي في ماليزيا في تصريحات لوكالة رويترز بأكثر من 120,000 عامل، وذلك بسبب مغادرة وترحيل الكثير من العمال الأجانب نتيجة لسياسات الهجرة التي انتهجتها الحكومة الماليزية خلال جائحة كوفيد-19.

ويشكل العمال الأجانب وخصوصاً من إندونيسيا حوالي 80 بالمائة من القوة العاملة في مجال زيت النخيل في ماليزيا، ويتجاوز عددهم 437,000 عاملاً بحسب تقديرات ما قبل الجائحة، ورغم أن بداية العام شهدت وصول سعر زيت النخيل إلى مستويات مرتفعة إلا أن ماليزيا لم تكن قادرة على استثمار تلك الفرصة بسبب نقص العمالة.

استمرار الأزمة يعود بشكل أساسي إلى البطء والتلكؤ المستمر الذي تبديه الحكومة الماليزية ووزارة الداخلية والموارد البشرية في إقرار تصاريح العمال لاستقدام العمال من إندونيسيا، وهو ما وضع صناعة زيت النخيل في أزمة كبرى، خصوصاً مع رفض الكثير من المواطنين الماليزيين للعمل في تلك المنشآت بسبب انخفاض الأجور وظروف العمل التي يجدها الكثيرون غير ملائمة.

يوم الأربعاء الماضي حمل أخباراً سارة لشركات زيت النخيل مع إعلان الحكومة عن استقدام أول دفعة من العمال الإندونيسيين منذ فتح حدودها بداية العام، ويبلغ عددهم 4,699 عاملاً بحسب تصريحات سفير إندونيسيا في ماليزيا، وهو رقم ضئيل مقارنة بالنقص الكبير في أعداد العمال الذين تحتاجهم ماليزيا.

ولا تزال الحكومة الماليزية في مفاوضات مع إندونيسيا وبنغلاديش لاستقدام مزيد من العمال من الدولتين للعمل في منشآت زيت النخيل والتي خسرت آلاف الأشجار التي تعفنت بسبب عدم وجود عمال لحصد المحاصيل منها في الأشهر الماضية.

ويرى العديد من الناشطين في مجال حقوق العمال في ماليزيا أن هذه الأزمات ستتكرر إذا لم تتغير سياسات الحكومة الماليزية في التعامل مع العمال الأجانب والمهاجرين، كما أن العقوبات الدولية قد تمتد لتشمل شركات أخرى إذا لم تعمل صناعة زيت النخيل في ماليزيا على إيجاد حل جذري لانخفاض الأجور والانتهاكات التي يتعرض لها العمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
WhatsApp chat