أدب وتراث

الكتابة الجاوية في ماليزيا… تاريخ وتحديات المستقبل

كوالالمبور – شروف الرحم

ماليزيا بلاد غنية ليس فقط بالجمال الطبيعي ولكنها أيضا تملك الثقافة المتنوعة. يذكر الدستور الفيدرالي لماليزيا في المادة 152 أن اللغة الملايوية هي اللغة الوطنية أي اللغة الرئيسية والرسمية لاستخدامها في الشؤون الحكومية والبيانات العامة، سواء في الحكومة الاتحادية أو حكومات الولايات، وهناك طريقتان لكتابتها هما “اللاتيني والجاوي”، وتستخدم هاتان الكتابتان معًا اليوم. الكتابة اللاتينية هي المعروفة اليوم للكثيرين وتستخدم الأحرف اللاتينية في الكتابة.

أما الكتابة الجاوية فهي مشتقة من الكتابة العربية المستخدمة لكتابة اللغة الملايوية. في عام 1988، أدرجت هيئة اللغة والمكتبة 37 حرفًا أبجديًا في اللغة الملايوية. يتكون نظام الكتابة من 29 حرفًا عربيًا مع إضافة ستة أحرف تمثل أصواتًا في اللغة الملايوية وهي cha (چ) و nga (ڠ) و pa (ڤ) و ga (ڬ) و nya (پ) و  v أو  va(ۉ).

أقدم الآثار على استخدام الكتابة الجاوية هو حجر نقش ترنجانو الذي يعود تاريخه إلى 1303 م / 702 هـ، حيث كُتب فيه القانون الذي مارسته المملكة في ذلك الوقت. هذا يشير إلى أن الكتابة الجاوية كانت هي الكتابة الرسمية الوحيدة في أرخبيل الملايو قبل إعلان قانون اللغة الوطنية. في العصر الذهبي لمملكة ملاكا، كانت اللغة الملايوية بالكتابة الجاوية لغة التواصل المُشترك في أرخبيل الملايو، بالتزامن مع استخدام اللغة الفرنسية في أوروبا كلغة تواصل مشترك في القرن 15-16. ومع ذلك، عندما أُعلن “قانون اللغة الوطنية” في عام 1963، اتخذت الكتابة اللاتينية مكانها باعتبارها الكتابة الرسمية الرئيسية لماليزيا، وتغير موقف الكتابة الجاوية فأصبحت كتابة ثانية.

بغض النظر عن العرق، عادة ما تكون الكتابة الرسمية للبلاد واجبة للدراسة من قبل الجميع. وكذلك الجاوية، منذ قبل الاستقلال، تم تعليمها مع اللغة الملايوية. قد أثر قانون اللغة الوطنية أيضًا على مكانة الكتابة الجاوية في مجال التعليم. إذ أوصى “تقرير رزاق 1956” أن تستخدم الكتابة اللاتينية في دروس اللغة الوطنية شريطة أن يتم تدريس الكتابة الجاوية للطلاب المسلمين، مما أدى إلى تأسيس المادتين، وهما مادة اللغة الوطنية التي لا تحتوي على الكتابة الجاوية لتكون مادة إلزامية على جميع المستويات التعليم، واللغة الملايوية فيها الجاوية.

السيرة النبوية باللغة الملايوية والكتابة الجاوية – المصدر: Pixel Translations Inc.

عندما أُدخل المنهج الجديد للمدرسة الابتدائية (1983)، بدأ تدريس الكتابة الجاوية مع مواد التربية الإسلامية. منذ ذلك الحين بدأ ظهور الصورة النمطية لدى المجتمع الماليزي بأن كتابة الجاوي مرتبطة بالإسلام فقط.

وعلى الرغم ذلك، في المرحلة الجامعية تُدرس الجاوية في برنامج اللغة اللملايوية، لأن هذا القسم يجب أن يراجع مخطوطات الملايو القديمة، ووفقاً للأستاذ المساعد الدكتور أدي يسران بن عبد العزيز المحاضر في قسم اللغة الملايوية بكلية اللغات الحديثة والتواصل من الجامعة بوترا ماليزيا، فإن “دورة كتابة الجاوي مهمة للغاية خاصة في المجال الأكاديمي لأنها تمنح للباحثين فرصة للاطلاع مباشرة على المصادر الأولية بدلاً من المخطوطات الثانوية المكتوبة بالأحرف اللاتينية.”

وأضاف الدكتور أدي: “هناك أكثر من 10,000 مخطوطة ملايوية كلاسيكية مكتوبة بالجاوية في مجالات ومؤسسات مختلفة في الداخل والخارج، بما في ذلك في إنجلترا وهولندا وفرنسا وألمانيا وروسيا والهند والولايات المتحدة. ومن بين تلك المجالات الإسلام والأدب والعلوم والتكنولوجيا والرياضيات والطب والبحرية وعلم الفلك وعلاقات الدول والقانون والأسلحة والتاريخ والفن ومختلف أوجه الثقافة ولكن مع الأسف إن استخدام الكتابة الجاوية في المواد العلمية في هذا الوقت قليل للغاية ومعظمها مرتبط بالإسلام.”

أما بالنسبة لاستخدام كتابة جاوي في الحكومة والمجتمع نفسه، فيمكننا تتبعها من البداية منذ تاريخ حجر نقش ترنجانو حتى الآن. الكتابة التي يبلغ عمرها 717 عامًا كانت تستخدم في جميع الشؤون الحكومية حتى في المراسلات بين ملوك الملايو والحكومة البريطانية. على سبيل المثال، في باهانج في عهد السلطان أحمد، أول سلطان في باهانج من سلالة بندهارا، أرسل رسالة إلى الحكومة البريطانية بالجاوية. واستعمل أول مقيم بريطاني، ج.ب. رودجر، الكتابة الجاوية في رسالته إلى السلطان أحمد.

أما استخدام جاوي في المجتمع يمكن ملاحظته بوضوح في الصحافة، إذ أن أول صحيفة ملايوية “جاوي بيرانكان” التي كانت تصدر ما بين عام 1876 حتى عام 1895 مكتوبة بالجاوية وكذلك “أوتوسان” ملايو نُشرت لأول مرة في عام 1939، وكذلك نلاحظ استخدام الجاوية في نظام تعليم المعهد في نفس الحقبة.

عدد من صحيفة أوتوسان ملايو من عام 1936

في الوقت الحاضر، فإن الكتابة الجاوية موجودة أيضًا في الأوراق النقدية، واللافتات الحكومية الرسمية، والشعارات الرسمية، والشعار الوطني، والترويسة الرسمية، والطوابع، والمباني الحكومية، وخطبة الجمعة في بعض الولايات، وشهادات الزواج، والشؤون الدينية الإسلامية، والعديد من الشؤون الرسمية الأخرى في ماليزيا.

وصدرت الإرشادات لاستخدام الكتابة الجاوية على اللافتات لولايات جوهور في 1995، كيلانتان 2008، ملاكا 2014، ترنجانو 2015، وباهانج 2019. إضافة إلى ذلك، فإن الكتابة الجاوية مستخدمة أيضا في جميع أنحاء البلاد، مثلا في الكثير عبوات الطعام والعديد من المباني التجارية المملوكة لغير المسلمين.

مستقبل الجاوية في ماليزيا

أعرب د. مزلي مالك وزير التربية والتعليم السابق عن قلقه واهتمامه من أجل هذه القضية الجاوية مع مواصلة الجهود التي بدأتها حكومة “باريسان ناسيونال” فأدخل لأول مرة المنهج الجديد الذي يتضمن الخط الجاوي كأحد فنون اللغة في درس اللغة الملايوية للسنة الرابعة الابتدائية، وهذا التطبيق جاء من وجهة فنية لتعليم فن “الخط” وليس الكتابة الجاوية ولكنه أثار أيضًا جدلاً في المجتمع الماليزي، بحسب ما أوضح البروفيسور أدي.

في أعقاب هذا الجدل الذي قاد إلى استقالة وزير التعليم السابق، اتخذت أطراف مختلفة المبادرة للترويج للكتابة الجاوية، منها سلطان سيلانجور الذي أمر بإزالة اللافتات المكتوبة بأحرف غير اللاتينية والجاوية، وفي باهانج  أشار السلطان عبدالله رعاية الدين المصطفى بالله شاه بصفته سلطان باهانج إلى كتابة اللافتات بالجاوية، وأمر سلطان جوهور بكتابة جميع الشؤون الإسلامية في الولاية بالجاوية، وكذلك نظم وزير الشؤون الدينية السابق داتوك د. مجاهد يوسف راوى حملة للكتابة الجاوية كل يوم جمعة.

وقال الدكتور أدي يسران إن “التحدي الأكبر في الحفاظ على الكتابة الجاوية هو كيف نجعلها شعبية، حتى لا تقتصر على رجال الدين، والشؤون الدينية، ولكن يجب أيضًا توسيعها على سبيل المثال في مجال الطباعة والنشر كما فعل الكاتب والأديب عيسى كاماري في سنغافورة بإطلاق روايته “Duka Tuan Bertakhta” التي تم تحويلها من الكتابة اللاتينية إلى الجاوية.”

إلى جانب ذلك، أضاف الدكتور يجب على جميع الوكالات الحكومية الاستجابة لحملة كتابة الجاوية كل يوم جمعة وتنفيذها حقًا، لتغيير الصورة النمطية بأن الكتابة الجاوية مرتبطة فقط بالإسلام ومواجهة الإسلاموفوبيا. كذلك نحن بحاجة لمواصلة تدريس الخط الجاوي في نظام التعليم الوطني، على الأقل ليتمكن الماليزيون من قراءة هذه الكتابة أو تقديرها كتراث مشترك للغة الملايوية لأنها قد ترسخت وأصبحت هوية وطنية منذ مئات السنين حتى اليوم مع إمكانية التي يمكن كتابتها بالجاوية واللاتينية.

وأكد البروفسور أدي “نحتاج أيضًا إلى ترويج الكتابة الجاوية كمنتج سياحي، فهي لا تحتوي فقط على القيمة الجمالية بل على القيمة التجارية العالية، حيث يتم استعمالها في المنتجات الغذائية الحلال للوصول إلى سوق أوسع.”

سبب قوي آخر للحفاظ على الكتابة الجاوية هو أن التوثيق الجاوي قد اكتسب اعترافًا دوليًا عندما أدرجت اليونسكو أربع وثائق ضمن فئة وثائق التراث العالمي من ماليزيا في سجل ذاكرة العالم. وهي حجر نقش ترنجانو، ورسائل سلطان قدح (١٨٨٢-١٩٤٣)، وحكايات هانغ تواه والسجلات التاريخية لملايو وكلها مكتوبة بالجاوية.

واختتم الدكتور أدي كلامه بالقول إن منح هذا الاعتراف من اليونسكو في عام 2019، جاء بناءً على معايير الاختيار لشيء ذي أهمية عالمية وقيمة عالمية استثنائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp chat