أدب وتراث

من الاستعمار والفقر إلى “النمر الآسيوي”.. استقلال ماليزيا

تحتفل ماليزيا اليوم 31 أغسطس بالذكرى الثالثة والستين لاستقلالها عن الاستعمار البريطاني في عام 1957، صرخة الحرية الشهيرة “مرديكا” والتي أطلقها رئيس الوزراء الأول للبلاد تنكو عبد الرحمن في ذلك اليوم أصبحت رمزاً للاستقلال، ذلك المشهد المهيب الذي تجمع فيه الآلاف في ساحة الاستقلال في وسط العاصمة كوالالمبور احتفالاً بالإعلان التاريخي.

منذ ذلك اليوم وماليزيا تحتفل كل عام بذكرى الاستقلال التي تعج بالاحتفالات الشعبية والمسيرات العسكرية التي تستعرض مسيرة البلد الذي انتقل من مجتمع زراعي فقير في جنوب شرق آسيا، إلى واحدة من أكثر الاقتصادات تطوراً ونمواً في القارة الصفراء، وأحد “النمور الآسيوية”.

ورغم أن جائحة كورونا التي احتلت العالم منذ بداية 2020 فرضت على ماليزيا تغييراً جذرياً في طقوس الاحتفال باستقلالها لهذا العام، إلا أن روح الاستقلال لازالت حاضرة وبقوة في هذا اليوم وهذه الذكرى الوطنية التي تقف ورائها قصة طويلة من التاريخ والجغرافيا والثقافة والنضال الذي قاد إلى تشكيل دولة مستقلة تحت علم ماليزيا.

الهيمنة الاستعمارية

الموقع الاستراتيجي الذي كانت ولا زالت تتمتع به ماليزيا كان محط أنظار الكثير من الدول الاستعمارية الكبرى، خصوصاً مع تواجد مضيق ملاكا الاستراتيجي والإطلالة على بحر الصين الجنوبي شرق ماليزيا، كما أن البلاد كانت معبراً هاماً للرحلات التجارية البرية والبحرية المتجهة من قارة آسيا إلى القارة الأوروبية، وتصاعد القلق لدى الدول الأوروبية من انتشار الدين الإسلامي في شبه الجزيرة الملايوية.

هذه الأسباب دفعت بالبرتغاليين إلى احتلال ماليزيا في عام 1511 وذلك عبر السيطرة على مضيق ملاكا غربي البلاد، وكانت هذه الحادثة بداية في سلسلة طويلة من المعاناة مع الاستعمار، حيث استمر حكم البرتغاليين للمنطقة لمدة 130 عاماً فرضوا خلالها طابعهم الثقافي والمعماري الذي لا زال حاضراً حتى اليوم في ولاية ملاكا.

في عام 1641 سقطت السيطرة البرتغالية في ملاكا بعد هزيمة البرتغال أمام الأساطيل الهولندية التي فرضت سيطرة شبه كاملة على إندونيسيا وأجزاء كبيرة من شبه الجزيرة الملايوية، واستمرت الهيمنة الهولندية حتى القرن الثامن عشر حين سقطت ملاكا في يد الاستعمار البريطاني إثر هزيمة هولندا أمام بريطانيا وفرنسا في عام 1795.

خريطة توضح موقع مضيق ملاكا في شبه الجزيرة الماليزية – المصدر: Wikipedia

البريطانيون تمكنوا من فرض السيطرة على جزيرة بينانغ وسنغافورة منذ  1786 ومعظم المناطق الساحلية، لكن مناطق الداخل في شبه الجزيرة الملايوية احتفظت بقدر كبير من استقلالية القرار حتى أواخر القرن التاسع عشر حين فرض الاستعمار البريطاني سيطرته الكاملة على أراضي ماليزيا بعد معاهدة بانكور عام 1874 بين سلطان بيراك والبريطانيين، والتي تقرر بموجبها تثبيت حكم سلاطين الملايو تحت الهيمنة البريطانية وأصبحت البلاد رسمياً تحمل اسم “ملايا”.

الاتفاقية سطرت الهيمنة البريطانية التي استمرت في ماليزيا حتى عام 1941 حين تمكنت اليابان من اجتياح ماليزيا واحتلالها لمدة أربع سنوات حتى عام 1945، وانتهت فترة الاحتلال الياباني بالهزيمة الكبرى التي تكبدتها اليابان في الحرب العالمية الثانية، حيث استعادت بريطانيا سيطرتها الاستعمارية، لكن ذلك لم يكن ليستمر طويلاً مع تأجج الروح القومية والتوجه نحو الاستقلال بين سكان ملايا.

الحركات الوطنية

مع نهاية الحرب العالمية الثانية وصعود التوجهات القومية في مختلف دول العالم، بدأت أفكار الحركات التحررية وجماعات الاستقلال تتبلور بشكل واضح في ملايا، وبدأت النداء بالاستقلال الكامل للبلاد وإنهاء الهيمنة البريطانية، ورغم الجهود الكبيرة التي بذلتها حركات الاستقلال في ماليزيا إلا أن الأثر الأكبر في تحقيق الاستقلال كان يعود لتراجع التأثير البريطاني بشكل كبير بعد نهاية الحرب، وتنامي الحركة القومية الملايوية بشكل كبير في نفس الوقت.

بدايات العام 1956 شهدت المفاوضات الرسمية بين الوفد الماليزي بقيادة رئيس الوزراء الأول تنكو عبد الرحمن بوترا والسلطات البريطانية، حيث قاد تنكو عبد الرحمن وفداً من أبرز القادة السياسيين والوطنيين إلى العاصمة لندن، واستمرت المفاوضات حتى 8 فبراير 1956 حيث توجت تلك المفاوضات بالنجاح، واتفق الوفدان على بنود استقلال البلاد، وأعلن تنكو عبد الرحمن رسمياً عن استقلال ماليزيا في 31 أغسطس 1957 أمام الآلاف في ساحة الاستقلال في العاصمة كوالالمبور، والتي تحولت إلى رمز للاستقلال والقومية في البلاد.

رئيس الوزراء الماليزي تنكو عبد الرحمن بوترا خلال خطاب الاستقلال الأول عام 1957 – مصدر الصورة: Harian Metro

بعد ذلك شهد عام 1963 انضمام ولايات شرق ماليزيا وهي صباح وسرواك إلى الاتحاد الماليزي في عام 1963، كما انضمت جزيرة سنغافورة إلى الاتحاد في نفس العام قبل أن تعلن انفصالها واستقلالها عن ماليزيا في عام 1965.

عام 1963 كان هو العام الذي توحدت فيه البلاد تحت اسم ماليزيا بعد انضمام اتحاد الملايو، وبورنيو الشمالية وسرواك، لتصبح ماليزيا مكونة من قسمين هما الشطر الشرقي الذي يضم ولايتي صباح وسرواك ومنطقة لابوان الفيدرالية، والشطر الغربي الذي يضم 11 ولاية إضافة إلى منطقتين فيدراليتين هما كوالالمبور العاصمة الفيدرالية للبلاد والعاصمة الإدراية بوتراجايا.

النهضة

لم يمض على استقلال ماليزيا من الاحتلال سوى 63 عاماً، لكن ذلك لم يمنع البلاد والحكومات التي تعاقبت على حكمها من العمل بجهود هائلة لتطوير البلاد وانتشالها من الفقر والأوضاع السيئة التي خلفتها العقود الاستعمارية الطويلة.

خلال سنوات قليلة استطاعت ماليزيا تطوير نفسها والانتقال من مجتمع ودولة زراعية فقيرة إلى دولة صناعية متقدمة تمتلك كفاءات علمية وصناعية ومهنية في مختلف مجالات الحياة، والعهد الأول لرئيس الوزراء الماليزي الحالي مهاتير محمد كان له الدور الأكبر في التطور الذي تعيشه ماليزيا اليوم، حيث استمر عهد مهاتير الأول منذ عام 1981 حتى عام 2003 حين تنحى عن السلطة.

رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد خلال العمل على مشروع برجي بتروناس التوأم – فبراير 1996

عهد مهاتير شهد ثورة اقتصادية هائلة في ماليزيا حيث حولها من دولة تعتمد على تصدير المنتجات الزراعية مثل المطاط وزيت النخيل إلى دولة صناعية ضخمة تسهم الصناعة فيها بـ 90% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بفضل سياساته الاقتصادية الناجحة وعمله على خصخصة العديد من المؤسسات الحكومية مثل شركات الطيران والاتصالات والخدمات، وهو ما ساهم بتحقيق نمو اقتصادي تجاوز 8% لمدة 8 سنوات متتالية ما بين 1988 و 1996 وأدى لزيادة كبيرة في دخل الفرد حيث تضاعف خلال 6 سنوات ما بين 1990 و1996 وتضاعف دخل الدولة بشكل كبير في البلاد.

كما شهدت البلاد مشاريع عمرانية ضخمة مثل برجي “بتروناس” التوأم وتأسيس شركة “بروتون” الماليزية لصناعة السيارات ومطار كوالالمبور الدولي ثم مشروع التوسيع وتأسيس مطار كوالالمبور الدولي الثاني، عدا عن تطوير شبكة الطرق والمواصلات بسرعة كبيرة وإنشاء مشروع العاصمة الإدارية بوتراجايا، ولا زالت البلاد حتى اليوم تتقدم نحو الوصول إلى مصاف الدول المتقدمة عالية الدخل في العالم.

التعايش متعدد الأعراق

ماليزيا تحتضن العديد من العرقيات والأديان ضمن دولة ومجتمع واحد، حيث يتكون المجتمع الماليزي من ثلاثة أعراق رئيسة هم: الملاويون، الصينيون والهنود، كما تضم ماليزيا العديد من الأقليات ذات الأصول اليابانية والإندونيسية والأوروبية وحتى العربية، إضافة إلى الأقليات الباقية من سكان الجزيرة الأصليين والذين يعرفون باسم “أورانج أسلي”.

لم تصل ماليزيا بعد الاستقلال فوراً إلى الوحدة والسلام المجتمعي الذي تتمتع به اليوم، بل مرت البلاد بفترات من التوتر العرقي الكبير الذي وصل إلى أوجه في عام 1969 عندما شهدت العاصمة كوالالمبور احتجاجات واشتباكات عرقية بين الملاويين والصينيين، كان منطلقها الأساسي الاحتجاج ضد الهيمنة الصينية على اقتصاد البلاد، وأدت تلك الاحتجاجات إلى مقتل المئات من الماليزيين من مختلف الأعراق وهو ما قرع أجراس الخطر ودفع بقادة البلاد إلى الوقوف بحزم ضد التفرق والعنف.

على مدى عقود منذ تلك الحادثة استطاعت ماليزيا وبفضل الوعي الذي عملت الحكومات على نشره من تجاوز النعرات العرقية والدينية المختلفة والوصول اليوم إلى مجتمع متنوع ومتسامح وبعيد عن العنصرية، مجتمع يشكل مزيجاً فريداً من الأعراق والأديان التي تعيش سوية تحت اسم وعلم ماليزيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp chat