كازاخستان

كازاخستان تُجري استفتاءً دستورياً تاريخياً يعيد تشكيل النظام السياسي

بقلم: ديريا سويسال

أستانا – في لحظة سياسية مفصلية قد تعيد رسم ملامح النظام الدستوري في البلاد، توجّه مواطنو كازاخستان إلى صناديق الاقتراع في 15 مارس 2026 للتصويت في استفتاء وطني على دستور جديد، يُعدّ من أوسع حزم الإصلاحات السياسية منذ الاستقلال. ويأتي هذا الاستفتاء في إطار أجندة الإصلاح التي يقودها الرئيس قاسم جومارت توكاييف، بهدف تحديث مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ مبدأ أن «الدولة وُجدت من أجل الإنسان، لا الإنسان من أجل الدولة».

وقد حظي الاستفتاء باهتمام دولي واسع، حيث تم اعتماد 359 مراقباً دولياً و206 صحفيين أجانب لمتابعة العملية، التي تُنظر إليها باعتبارها محطة محورية في مسار التحول السياسي المتواصل في كازاخستان.

وفي 14 مارس 2026، وقبيل يوم واحد من الاستفتاء، عقد نائب وزير الخارجية أرمان إيسيتوف إحاطة إعلامية للصحفيين الدوليين في مقر وزارة الخارجية بالعاصمة أستانا، وصف خلالها الاستفتاء بأنه علامة فارقة في تطور الحياة السياسية وخطوة أساسية ضمن مسار التحديث الوطني.

السياق الاقتصادي ومسار التنمية
قدّمت كازاخستان هذا الإصلاح باعتباره مرحلة جديدة في مسيرتها منذ الاستقلال، حيث أكد إيسيتوف أن البلاد نجحت في بناء دولة مستقرة، بالتوازي مع تحديث اقتصادها والاستثمار المكثف في رأس المال البشري.

وأظهرت المؤشرات الاقتصادية التي عُرضت خلال الإحاطة مستوى هذا الاستقرار، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي 306 مليارات دولار، ما يضع كازاخستان ضمن أكبر 50 اقتصاداً في العالم، مع توقعات بارتفاعه إلى 320 مليار دولار بنهاية العام. كما تم تسليط الضوء على الاحتياطيات المالية، التي تشمل 74 مليار دولار من الذهب و139 مليار دولار إجمالي الاحتياطيات.

وأكد المسؤولون أن هذه الإصلاحات تندرج ضمن برنامج التحول الشامل الذي أطلقه الرئيس توكاييف، والهادف إلى بناء نظام سياسي أكثر حداثة واستجابة لمتطلبات المجتمع.

صياغة الدستور الجديد
لإعداد الإصلاح الدستوري، تم تشكيل لجنة دستورية تضم 130 عضواً، وخلال عملية مشاورات عامة استمرت ستة أشهر، قدّم المواطنون أكثر من 12 ألف مقترح عبر المنصات الرقمية الحكومية.

ويُعد الإصلاح شاملاً، إذ يمسّ 84% من الدستور الحالي، فيما يُخصّص نحو ثلث الوثيقة (30 مادة) لحماية حقوق الإنسان والحريات. ويؤكد مشروع الدستور أن حياة الإنسان وحقوقه وحرياته تمثل القيمة العليا، في تجسيد واضح لمبدأ أولوية الفرد.

كما يتضمن الدستور المقترح ابتكارات قانونية جديدة، تشمل حماية الخصوصية والبيانات الشخصية والحقوق الرقمية، إلى جانب تعزيز الضمانات الإجرائية، مثل قاعدة «ميرندا».

وعلى المستوى المؤسسي، يسعى الإصلاح إلى ترسيخ نموذج يقوم على برلمان قوي، وحكومة فعّالة، وقضاء مستقل، مع تعزيز الهيئات التشاورية مثل «كورولتاي»، واستحداث «مجلس الشعب» كمؤسسة استشارية عليا لتعزيز الحوار بين الدولة والمجتمع.

ويرتبط هذا التوجه بمفهوم «الدولة المُصغية»، الذي يهدف إلى جعل المؤسسات العامة أكثر استجابة لاحتياجات المواطنين.

مشاركة دولية واسعة
استقطب الاستفتاء اهتماماً دولياً ملحوظاً، حيث شارك 359 مراقباً دولياً و206 صحفيين أجانب في متابعة مجرياته. كما أُتيحت الفرصة للمواطنين الكازاخيين في الخارج للمشاركة، عبر مراكز اقتراع أُنشئت في 54 دولة من خلال 71 لجنة انتخابية داخل البعثات الدبلوماسية.

إحاطات دولية في أستانا
بالتوازي مع الاستفتاء، استضافت كازاخستان سلسلة من الإحاطات للمراقبين الدوليين ووسائل الإعلام يومي 15 و16 مارس 2026 في أستانا، بمشاركة ممثلين عن منظمات إقليمية ودولية بارزة، من بينها منظمة شنغهاي للتعاون، والجمعية البرلمانية التركية، ومؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا، ومنظمة الدول التركية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي.

ومن بين المتحدثين أوليغ كوبييلوف نائب الأمين العام لمنظمة شنغهاي للتعاون، وراميل حسن الأمين العام للجمعية البرلمانية التركية، وعمران صادقوف ممثلاً لمنظمة التعاون الإسلامي.

تقييمات المراقبين
أكد كوبييلوف أن مراكز الاقتراع كانت متاحة لجميع المواطنين، بما في ذلك ذوو الإعاقة، مع توفير وسائل دعم إضافية مثل الخدمات الرقمية والمساعدة الصوتية عند الحاجة.

كما أشار المراقبون إلى مستوى عالٍ من المشاركة الشعبية، حيث حضر العديد من المواطنين مع عائلاتهم، وسُجّل حضور لافت للشباب في عملية التصويت.

من جانبها، وصفت المراقبة الدولية عصمت جهان أجواء التصويت بأنها هادئة ومنظمة، مشيدة بالترتيبات الشاملة التي مكّنت ذوي الإعاقة من المشاركة بسهولة.

بدوره، أكد عمر كوجامان، نائب الأمين العام لمنظمة الدول التركية، أن الاستفتاء جرى وفق الإطار القانوني لكازاخستان والمعايير الدولية، مشيداً باتساع المشاركة المجتمعية والإجراءات الشاملة المتخذة لضمان إدماج مختلف فئات الناخبين.

وقد انتشر المراقبون الدوليون في مراكز الاقتراع بمختلف أنحاء البلاد، ما عزّز من شفافية العملية. ويرى المسؤولون أن اعتماد الدستور الجديد من شأنه أن يعزز الحوكمة الديمقراطية ويدعم التنمية طويلة الأمد، في إطار رؤية لبناء «كازاخستان عادلة وقوية وآمنة ونظيفة».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى