
باكو – تُعدّ قره باغ واحدة من أقدم وأغنى المراكز الثقافية في أذربيجان. فقد تميزت هذه المنطقة عبر القرون بتقاليدها في العمارة والموسيقى والأدب والحرف اليدوية، ولعبت دورًا مهمًا في تشكيل الهوية الوطنية للبلاد. إلا أنّ التراث الثقافي لقره باغ تعرّض لدمارٍ كبير خلال سنوات الاحتلال الطويلة، حيث تم تدمير العديد من المعالم التاريخية أو تشويهها. وبعد حرب الوطن التي استمرت 44 يومًا في عام 2020، ومع استعادة وحدة أراضي أذربيجان، بدأت في قره باغ مرحلة جديدة تمثلت في إعادة الإعمار والبناء.
تُعرف منطقة قره باغ تاريخيًا بتراثها الثقافي الغني. وتُعدّ مدن ومناطق مثل شوشا، أغدام، فضولي، كلبجر، لاتشين وغيرها من أهم مراكز الثقافة الأذربيجانية. وتُعرف مدينة شوشا بشكل خاص بأنها “كونسرفاتوار القوقاز”، حيث لعبت دورًا مهمًا في تطوير فن المقام. وقد وُجدت في المنطقة العديد من المعالم التاريخية والمعمارية مثل المساجد، والقلاع، والخانات، والأضرحة، والمجمعات السكنية. كما تعكس عناصر التراث غير المادي مثل مدرسة نسج السجاد في قره باغ، وفن العاشيق، وفن المقام، ثراء هذه المنطقة الثقافي. إلا أن هذا التراث تعرّض لأضرار جسيمة خلال فترة الاحتلال. ووفقًا للدراسات، فقد تم تدمير عشرات المعالم بالكامل في الأراضي المحررة، بينما تضرر مئات المواقع التاريخية بدرجات متفاوتة.

وخلال ما يقارب 30 عامًا من الاحتلال، تعرّضت المعالم التاريخية والدينية في قره باغ للتدمير أو الإهانة، وتم نهب المتاحف، وتدمير المقابر والمزارات، كما دُمّرت البنية التحتية للمدن والقرى بشكل كامل. وتحولت العديد من المناطق السكنية إلى “مدن أشباح”، وتوقفت الحياة الثقافية تمامًا. ولم تقتصر هذه الأضرار على الجانب المادي فحسب، بل شكّلت أيضًا ضربة قاسية للتراث المعنوي.
ومنذ عام 2020، بدأت الدولة الأذربيجانية بتنفيذ مشاريع واسعة النطاق لإعادة الإعمار والبناء في الأراضي المحررة. وتشمل هذه العملية عدة مجالات رئيسية، حيث تقوم وزارة الثقافة بجرد المعالم التاريخية وترميمها. وقد تم تسجيل مئات المعالم حتى الآن، كما أُعدّت مشاريع لترميمها. وفي مدينة شوشا، تم بالفعل ترميم عدد من المعالم التاريخية، بما في ذلك المساجد والمتاحف والمباني التاريخية، وإعادة استخدامها. كما يجري إعادة بناء الطرق والجسور وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات في المناطق المحررة. وقد أسهم بناء المطارات الدولية في فضولي وزنگيلان ولاتشين في إعطاء دفعة كبيرة لتنمية المنطقة.
في إطار برنامج “العودة الكبرى” الذي تنفذه حكومة أذربيجان، يتم ضمان العودة التدريجية للنازحين السابقين إلى أراضيهم الأصلية. وقد استقر بالفعل عشرات الآلاف من الأشخاص في قره باغ وشرق زنغزور. كما يتم تنفيذ مشاريع “المدينة الذكية” و“القرية الذكية” في المناطق المحررة، حيث تعتمد هذه المشاريع على التقنيات الحديثة وتهدف إلى تحقيق تنمية بيئية ومستدامة. كذلك تُنفَّذ مشاريع لتحويل قره باغ وشرق زنغزور إلى منطقة “طاقة خضراء”، بهدف ضمان تنمية مستدامة بيئيًا في المنطقة.

وفي السنوات الأخيرة، تُعدّ أعمال إعادة الإعمار في قره باغ غير مسبوقة من حيث نطاقها في تاريخ المنطقة. فقد تم تخصيص مليارات المانات من ميزانية الدولة لهذا الغرض، وتنفيذ مئات المشاريع. وتتمثل الأهداف الرئيسية لهذه العملية في: حماية التراث التاريخي والثقافي، ضمان التنمية الاقتصادية للمنطقة، تأمين عودة السكان إلى أراضيهم الأصلية بشكل آمن، وتحويل قره باغ مرة أخرى إلى أحد المراكز الثقافية والاقتصادية لأذربيجان.
وقد جعل رئيس جمهورية أذربيجان، إلهام علييف، إعادة إعمار المنطقة واستعادة تراثها الثقافي من الأولويات الرئيسية لسياسة الدولة بعد تحرير قره باغ من الاحتلال. وتخدم الإجراءات المتخذة في هذا الاتجاه كلًّا من حماية التراث المادي والثقافي وإنعاش الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة. وتحت قيادته، تُنفَّذ أعمال منهجية لترميم المعالم التاريخية التي دُمّرت في قره باغ. وفي المقام الأول، تم إجراء جرد شامل لجميع المعالم الثقافية والدينية الواقعة في الأراضي المحررة.
وتحتل مدينة شوشا مكانة مركزية في هذه السياسة، إذ أُعلنت عاصمة ثقافية لأذربيجان، وتم فيها ترميم العديد من المعالم التاريخية مثل المساجد (ومنها مسجد يوخاري غوهر آغا)، والمتاحف، والمؤسسات الثقافية، والمباني السكنية التاريخية. إضافةً إلى ذلك، نفذت مؤسسة حيدر علييف عددًا من المشاريع المهمة وأسهمت بشكل واسع في إحياء التراث الثقافي في قره باغ.
وبمبادرة من الرئيس إلهام علييف، أُعلنت مدينة شوشا في عام 2022 “العاصمة الثقافية لأذربيجان”، ولاحقًا “العاصمة الثقافية للعالم التركي” على المستوى الدولي. وفي هذا الإطار، تم تنظيم العديد من الفعاليات الدولية والمهرجانات والمؤتمرات في المدينة، مثل مهرجان “خاري بلبل” الموسيقي و“أيام واقف الشعرية”، والتي تسهم في إحياء الحياة الثقافية في قره باغ.
وبالتوازي مع عملية إعادة الإعمار، لا تزال هناك بعض التحديات، مثل خطر الألغام والمشكلات الأمنية، وصعوبة التضاريس الجبلية، واستحالة ترميم بعض المعالم التي دُمّرت بالكامل، فضلًا عن طول المدة التي تتطلبها هذه المشاريع. ومع ذلك، تُظهر الإجراءات المتخذة أن إعادة إعمار قره باغ تُنفَّذ بشكل منهجي ومستدام.
ويُعدّ التراث الثقافي لقره باغ جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة التاريخية للشعب الأذربيجاني. إن أعمال إعادة الإعمار والبناء في الأراضي المحررة لا تعني فقط إعادة بناء المدن والقرى المدمرة، بل تمثل أيضًا إحياء الهوية الوطنية والقيم الثقافية. ونتيجةً لهذه العملية، تستعيد قره باغ تدريجيًا مجدها السابق، ومن المتوقع أن تصبح في المستقبل واحدة من أكثر مناطق الإقليم تطورًا وحداثةً وثراءً من الناحية الثقافية.
رئيس البيت الثقافي الأذربيجاني الألماني آغا أغاييف، ورئيس الاتحاد العام لدعم الصحفيين لأنشطة الشتات فؤاد حسين زاده



