تعليم

إغراءات السفر والمنافسة الشديدة ترسم واقع الخريجين الجدد في ماليزيا

كوالالمبور – “أسواق”

يعيش خريجو الجامعات الجدد في ماليزيا اليوم واقعاً صعباً في البحث عن فرص عمل ملائمة لاختصاصاتهم وبأجور مناسبة مع تزايد المنافسة الشديدة في سوق العمل المحلية خصوصاً خلال جائحة كوفيد-19 التي أدخلت متغيرات جديدة إلى معادلة البحث عن العمل في ماليزيا.

هذا الواقع يدفع بالعديد من الخريجين الجدد إلى البحث عن أعمال بدوام جزئي وأعمال مؤقتة لتأمين تكاليف المعيشة المتزايدة مع محدودية فرص العمل في السوق المحلي، رغم تحسن معدلات البطالة في البلاد مؤخراً مع إعادة فتح جميع القطاعات الاقتصادية بشكل شبه طبيعي وعودة النشاط الاقتصادي إلى معدلات قريبة من مستويات ما قبل الجائحة.

بداية هذا الشهر نشرت وزارة الموارد البشرية الماليزية تقريراً كاملاً عن معدلات البطالة في البلاد، وتوضح البيانات الرسمية الصادرة عنها أن عدد العاطلين عن العمل ممن تتراوح أعمارهم ما بين 20 – 24 عاماً يبلغ 227,300 من أصل 711 ألف عاطل عن العمل، كما يبلغ عدد العاطلين الذين تتراوح أعمارهم بين 25 – 29 أكثر من 160 ألفاً.

صحيفة “أوتوسان” الناطقة بالملايوية أشارت في تقرير لها مؤخراً أن أحد أبرز أسباب صعوبة الحصول على عمل بالنسبة للخريجين الجدد تكمن في المنافسة الشديدة مع الموظفين الأكبر عمراً والذين خسروا وظائفهم خلال شهور الإغلاق وتقييد الحركة، والذين يعودون الآن تدريجياً إلى سوق العمل للمنافسة على الوظائف المتاحة.

وقابلت الصحيفة عدداً من الخريجين الجدد بينهم شاب يدعى أمير زمجوري والذي يحمل شهادة في الهندسة الميكانيكية، حيث قال إنه يعمل في خدمات توصيل الطعام ويجني حوالي 3 آلاف رنجيت شهرياً فيما لا يتجاوز أجر الوظائف المخصصة للخريجين الجدد في اختصاصه 2,000 رنجيت.

وقال الشاب لصحيفة أوتوسان إنه يخطط للحصول على شهادة الماجستير في مجاله لزيادة فرصه في الحصول على عمل بدوام كامل في مجال اختصاصه وبأجر ملائم لتكاليف المعيشة الحالية في ماليزيا.

بدوره قال رئيس المجلس الماليزي للشباب محمد عزت عفيفي عبد الحميد إن أرقام الشباب العاطلين عن العمل تشمل كذلك الشباب الذين لا يرغبون بالبحث عن فرص للعمل، وقال إن “قضية البطالة ترتبط بفرص العمل الملائمة ومشاكل تناسب العمل مع الكفاءة المتوفرة لدى الشباب.”

يأتي ذلك بعد تحسن واضح سجلته البلاد على معدلات المشاركة في القوة العاملة إذ سجلت نسبة ٦٩ بالمائة في شهر يناير بداية العام الجاري، وهي أكبر نسبة تسجلها ماليزيا منذ بداية الجائحة.

هجرة العقول والكفاءات

المنافسة الشديدة في السوق المحلي ليست القضية الوحيدة التي تغير مشهد التوظيف للخريجين الجدد في ماليزيا، بل أن قضية هجرة الكفاءات المحلية نحو الخارج أصبحت الشغل الشاغل للعديد من المؤسسات البحثية والإدارات الحكومية للبلاد، حيث تشير تقديرات إلى أن ماليزيا خسرت أكثر من 500 ألف كفاءة خلال العقود الأربعة الماضية.

وتشير الدراسات إلى أن الكثير من الطلاب الذين يحصلون على بعثات ومنح دراسية للدراسة في الخارج يقررون البقاء في تلك الدول دون العودة إلى ماليزيا، رغم أن هذه المنح كلفت الحكومة الماليزية أموالاً طائلة على مدى السنوات، وبحسب تقرير مؤشر هجرة العقول ما بين عامي 2007 – 2020 فإن المزيد من الخريجين الجدد في ماليزيا سيغادرون البلاد إلى دول أخرى أو سيقررون البقاء فيها بعد انتهاء منحهم الدراسية.

وبحسب الدراسة أظهر تقرير للبنك الدولي في العام 2009 نقصاً حاداً في المهارات التقنية المتقدمة في ماليزيا خصوصاً بين الخريجين الجدد، وهو ما يعكس مشاكل كبيرة في النظام التعليمي، وبحسب الدراسة فإن ظاهرة نقص المهارة استمرت بشكل حاد حتى العام 2015 ولا زالت حاضرة حتى يومنا هذا.

كما أظهرت دراسة أجرتها مؤخراً مؤسسة البحوث (Emir Research) إلى أن عدد الماليزيين خارج ماليزيا يتجاوز مليوني شخص منهم أكثر من نصف مليون من العاملين المهرة الذين تزيد أعمارهم عن 25 عاماً والذي يملكون فرصاً كبيرة للتوظيف في مجالات مهنية مختلفة.

وأضافت المؤسسة “فيما يتعلق بالاختصاصات المهنية للمهاجرين الماليزيين فهناك ثغرة كبيرة بالنسبة لهذه المعلومات، إلا أن العديد من تقارير وسائل الإعلام والدراسات التجريبية تشير إلى وجود عدد كبير من الأطباء والمحاسبين الماليزيين المطلوبين في الخارج.”

من جانبه قال مدير مؤسسة آسيا وتسمانيا في جامعة تسمانيا في أستراليا البروفيسور جيمس تشين في تصريحات لصحيفة ذا صن دايلي إن ماليزيا تمتلك العديد من العوامل التي تنفر الخريجين الجدد عوضاً عن جذبهم، معتبراً أن التمييز ضد الأقليات العرقية هو واحد من تلك الأسباب التي تدفع بالعديد من الماليزيين من أصول هندية وصينية لمغادرة البلاد بحثاً عن فرص بالخارج.

كما أضاف أن التوجه نحو الهجرة موجود كذلك لدى الأغلبية العرقية من الملايو والذين رغم عدم تعرضهم للتمييز العرقي إلا أن الكثير منهم وخصوصاً الشباب يشعرون بعدم وجود أفق للمستقبل أو قد يعارضون التوجهات المحافظة لدى المسلمين في البلاد، عدا عن صعوبة الترفع في المؤسسات والشركات الكبرى بدون وجود معارف وعلاقات شخصية.

واختتم تشين كلامه بالقول “سواء كانوا من الملايو أو غيرهم، سنشهد هجرة الكثير من الماليزيين خارج البلاد ولا يمكننا فعل شيء حيال ذلك، لأنها نتيجة للنظام السياسي والمخرجات السياسية في البلاد.”

مبادرات إصلاحية

بالطبع فإن الحكومة الماليزية تدرك الوضع الصعب للخريجين الجدد في السوق المحلية ورغبة الكثير من الشباب بالهجرة إلى خارج البلاد بحثاً عن فرص أفضل، وهذا ما دفع بها للإعلان عن تبني خمس مبادرات رئيسية في العام الجاري للتعامل مع المشاكل في تسويق الخريجين الجديد في سوق العمل خلال جائحة كوفيد-19.

المبادرة التي أطلقتها وزارة التعليم العالي في شهر مايو الماضي تضمنت خمس بنود رئيسية وهي: إطلاق برنامج صقل المهارات، وبرنامج مصنع التدريس، وإدراج التعليم التكنولوجي المهني، وبرنامج تحويل التدريب المهني، إضافة لبرنامج التعليم المرن والمصغر.

وأعلنت وزيرة التعليم العالي نورعيني أحمد إن نسبة تسويق الخريجين الجدد في ماليزيا تراجعت في العام 2020 بنسبة 1.8 بالمائة لتصل إلى 84.4 بالمائة مقارنة بنسبة 86.2 بالمائة في العام 2019 وهو ما عزته الوزارة إلى تأثيرات جائحة كوفيد-19.

وستخصص الحكومة الماليزية 150 مليون رنجيت لبرنامج صقل المهارات وإعادة التأهيل، والذي سيستفيد منه أكثر من 20 ألف طالبة وطالبة من الخريجين الجدد، ويضم البرنامج ضماناً من الشركات المشاركة بتوظيف الخريجين لمدة 12 شهراً على الأقل بعد استكمال البرنامج.

فيما سيعمل برنامج مصنع التدريس على تحسين قدرات الخريجين والتأكد من امتلاكهم المهارات المطلوبة في سوق العمل، حيث تشرف العديد من الجامعات الحكومية على البرنامج لتقديم تدريب خاص في المهارات التقنية والتكنولوجية إضافة إلى المهارات العملية.

بدوره سيعمل برنامج التعليم المهني على تأسيس مجلس خاص للتعليم المهني بقيادة رئيس الوزراء الماليزي إسماعيل صبري يعقوب، إذ سيعمل المجلس على تقديم المشورة للحكومة حول المهارات الحالية والمستقبلية التي تتطلبها الصناعات في ماليزيا إضافة للتقنيات التي يجب التركيز عليها وتعليمها في الجامعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
WhatsApp chat