أدب وتراث

“ميرديكا”.. عيد الاستقلال ومسار التغيير لماليزيا الحديثة

كوالالمبور/ 28 أغسطس – “أسواق”

يعتبر تاريخ 31 أغسطس من عام 1957م يوماً فارقاً وتاريخياً للشعب الماليزي، حيث كانت اللحظة التاريخية التى أطلق فيها رئيس الوزراء الأول للبلاد تنكو عبد الرحمن صرخة الاستقلال “مرديكا” أمام الآلاف من أبناء الشعب المحتشدين وسط العاصمة الماليزية كوالالمبور.

صرخة أعلنت علن استقلال البلاد من الاحتلال البريطانى ومن جميع حقب الاستعمار التى مرت بها البلاد فى تاريخها، وفتحت صفحة جديدة أمام المستقبل.

ومروراً بذلك العام وحتى يومنا هذا لا تزال ماليزيا تحتفل وتحيي سنوياً عيد الاستقلال “مرديكا” وهي كلمة تعني الاستقلال باللغة الملاوية، حيث تشهد البلاد احتفالات ومسيرات شعبية وعسكرية ضخمة لتظهر للعالم قوة ووحدة البلاد فى ذكرى استقلالها ونيل حرية الإرادة لتطوير ماليزيا من بلد زراعى فقير إلى واحدة من أكثر الدول تطوراً فى جنوب شرق آسيا والعالم الإسلامي.

ماليزيا كانت على مر العصور ونتيجة لموقعها الاستراتيجى ومواردها الطبيعية، محط أنظار الدول الاستعمارية الكبرى حيث تطل شبه الجزيرة الماليزية على مضيق ملاكا الاستراتيجي غرباً وبحر الصين الجنوبى شرقا.

كما كانت ماليزيا معبراً هاماً لجميع الرحلات التجارية البحرية والبرية القادمة من جنوب وشرق آسيا من وإلى القارة الأوروبية، إضافة للقلق الذى كان يراود الدول الأوروبية من وصول الإسلام إلى منطقة جنوب شرق آسيا.

كل هذه الأسباب جعلت ماليزيا واحدة من الدول التى تناوبت عليها عقود الاستعمار والاحتلال بدءاً بالاستعمار البرتغالى فى عام 1511 حين استطاع البرتغاليون السيطرة على مضيق ملاكا غربى البلاد.

 واستمر حكمهم للمنطقة لمدة 130 عاماً فرض فيها البرتغاليون طابعهم الذى لا زال مترسخاً حتى اليوم فى مبانى وآثار ولاية ملاكا، إلى أن خسروا سيطرتهم على تلك المنطقة فى عام 1641 بعد الهزيمة الكبيرة التى تكبدها البرتغاليون أمام الأسطول الهولندي الذى فرض سيطرته على إندونيسيا ومعظم شبه الجزيرة الماليزية.

كما أن السيطرة الهولندية استمرت حتى القرن الثامن عشر وتحديداً حتى تاريخ سقوط ملاكا فى يد البريطانيين بعد هزيمة هولندا أمام البريطانيين والفرنسيين فى عام 1795، بعد أن تمكن الاستعمار البريطاني من فرض سيطرته على جزيرتى بينانج وسنغافورة منذ عام 1786.

وبالرغم من السيطرة الاستعمارية على المناطق الساحلية إلا أن مناطق الداخل فى شبه الجزيرة الماليزية احتفظت بقدر كبير من الاستقلال حتى أواخر القرن التاسع عشر حين فرض الاستعمار البريطانى سيطرته الكاملة على معظم أراضى ماليزيا بعد معاهدة بانكور عام 1874 بين سلطان بيراك وبريطانيا، والتي تقرر بموجبها تثبيت حكم السلاطين الملاويين تحت الهيمنة البريطانية وتم تغيير اسم البلاد رسمياً إلى ملايا.

السيطرة البريطانية استمرت بقوة فى ماليزيا حتى تمكنت اليابان إبان الحرب العالمية الثانية من اجتياح ماليزيا واحتلالها من عام 1941 حتى عام 1945 حيث انتهت فترة الاحتلال اليابانى نتيجة الهزيمة الكبيرة التي تعرضت لها اليابان فى الحرب، واستعادت بريطانيا كممثل لقوات الحلفاء سيطرتها على ماليزيا من جديد، لكن ذلك لم يكن ليستمر طويلاً مع تأجج روح الاستقلال بين أبناء البلاد.

وفى عيد الاستقلال، يحتفل الشعب الماليزي بذكرى هذا اليوم الهام في تاريخهم الحديث الذي مكنهم من تحقيق الاستقلالية، ومكنهم من إدارة شؤونهم واقتصادهم وجميع مناحي حياتهم بأنفسهم، لكن ومع مرور البلاد كغيرها من دول العالم بأزمة كورونا وما يصاحبها من تقييد الحركة، من المتوقع غياب كثير من الطقوس الاحتفالية المتميزة كالعروض والاحتفالات الجماهيرية التي ستمنع قواعد التباعد الاجتماعي المواطنين من الاستمتاع بها في ذكرى يوم استقلالهم.

ومنذ تلك اللحظة الفارقة، بدأت ماليزيا تتحول شيئاً فشيئاً تتحول من بلد فقير يعيش فى غياهب الجهل والمرض والتخلف إلى بلد زراعى يقدم الخدمات الأساسية لأفراد الشعب فى غضون عقدين من الزمن.

لتبدأ بعد ذلك بالتحول شيئاً فشيئاً حتى أصبحت بعد عقود ثلاثة أخرى بلداً صناعياً يركب مواطنوه سيارات من صنع أيديهم، وتصل منتجاتهم وخبراتهم إلى كافة أنحاء العالم، عدا عن تحول ماليزيا إلى قبلة سياحية عالمية بارزة ورائدة في مجال السياحة الإسلامية.

هذا وشهدت سنوات حكم مهاتير محمد وهو الشخصية المحلية الأبرز فترة صعوده فورة ذات طابع تصنيعي، وهي الفترة التي صنفت فيها ماليزيا ضمن «النمور الآسيوية» في إشارة إلى اقتصادها الواعد، ورغم مغادرته لرئاسة الوزراء فقد ظل فاعلاً وحاضراً في السياسة الماليزية، لكنه استقال من الحزب الحاكم عام 2008 معتزلاً العمل السياسي، وخلفه رئيسان للوزراء عبد الله بدوي ونجيب رزاق.
واجهت سنوات حكم مهاتير انتقادات حقوقية، ومنها ما يتعلق بتجاوزاته المزعومة وإداراته للخلافات مع خصومه أو حلفائه، ومن أبرز تلك المحطات صدامه الكبير مع نائبه السياسي البارز أنور إبراهيم في نهاية التسعينات، الذي انتهى سجيناً بتهم أخلاقية.

لكن مهاتير عاد وتحالف مع إبراهيم عام 2018 ولعب دوراً في إصدار عفو عنه، وخاضا الانتخابات البرلمانية معا ضمن «تحالف الأمل»، وتولى مهاتير رئاسة الوزراء كأكبر رئيس حكومة في العالم سناً، وبعد سنتين تقدم باستقالته.

هذا وتمر ذكرى استقلال ماليزيا هذا العام في ظروف استثنائية، مع تولي داتوك سري إسماعيل صبري يعقوب رئاسة الحكومة الجديدة، والتي جاءت في أعقاب استقالة رئيس الحكومة السابق تان سري محيي الدين ياسين بعد فقده للأغلبية البرلمانية.

كما تأتي في ظل استمرار تفشي فيروس كورونا في البلاد واستمرار قرارات تقييد الحركة التي تمنع الكثير من التجمعات التي من شأنها نقل العدوى بين المواطنين.

هذا وأكدت الحكومة الماليزية من جانبها عدم وجود عروض وحفلات رسمية كما كان سابقاَ وهو العام الثاني على التوالي الذي يُحرم فيه الماليزيون من إحياء هذه المناسبة الوطنية بطقوسها المعتادة.

المصدر: بيرناما – وكالات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp chat