اقتصاد

التضخم يثقل كاهل الاقتصاد الماليزي ويضع الحكومة تحت الضغط

كوالالمبور – “أسواق”

لا زالت جائحة كوفيد-19 تلقي بآثارها الاقتصادية الكبيرة على عاتق اقتصادات الدول في جنوب شرق آسيا والعالم، وماليزيا هي واحدة من تلك الدول التي تعاني اليوم من آثار تراجع سلاسل التزويد للكثير من الموارد والمواد الأساسية، وهو ما يقود البلاد اليوم نحو تضخم مستمر في الأسعار، حيث وصلت أسعار السلع في ماليزيا إلى أعلى مستوى لها منذ العام 2011.

التضخم في الأسعار والذي يُقاس بشكل رئيسي عبر مؤشر أسعار المستهلك (CPI) زاد بنسبة 2.8 بالمائة في شهر مايو من العام الجاري 2022 بعد زيادة بنسبة 2.3 بالمائة في شهر أبريل، وزادت أسعار المواد الغذائية بنسبة 5.2 بالمائة بحسب الإحصائيات الصادرة عن إدارة الإحصائيات في الحكومة الماليزية.

وأكدت إدارة الإحصائيات أن ارتفاع سعر المواد الغذائية بنسبة 5.2 بالمائة هو أكبر ارتفاع في ماليزيا منذ شهر نوفمبر في العام 2011 فيما سجلت جميع المؤشرات الأخرى باستثناء الاتصالات ارتفاعاً في الأسعار، حيث سجلت المواصلات ارتفاعاً بنسبة 3.9 بالمائة والمطاعم والفنادق 3.7 بالمائة والمفروشات وأغراض المنزل 2.9 بالمائة والسلع المتنوعة والخدمات 1.9 بالمائة والخدمات الترفيهية والثقافية 1.8 بالمائة.

بدورها سجلت أسعار السكن والماء والكهرباء والغاز وغيرها من منتجات الوقود ارتفاعاً بنسبة 1.2 بالمائة وارتفعت تكاليف التعليم بنسبة 1 بالمائة، فيما سجلت الخدمات الصحية زيادة بنسبة 0.4 بالمائة.

بالنسبة للمواد الغذائية فقد أوضحت إحصائيات الحكومة أن أسعار معظم المنتجات زادت بشكل متسارع مثل الخضار التي ارتفعت أسعارها بنسبة 8.1 بالمائة والحليب والأجبان والبيض بنسبة 8 بالمائة والأسماك بنسبة 4.3 بالمائة والزيت والدهون بنسبة 3.7 بالمائة، كما ارتفعت أسعار الطعام خارج المنزل إذ زاد سعر الخبز التقليدي الماليزي (روتي شاناي) بنسبة 7.8 بالمائة والدجاج المطبوخ بنسبة 5.1 بالمائة.

كذلك تستمر أزمة الدجاج والذي يعتبر من الأطعمة الرئيسية في ماليزيا بالمساهمة في زيادة سعر الدجاج حيث قالت إدارة الإحصائيات في ماليزيا إن زيادة سعر غذاء الدجاج وزيادة الطلب ساهمت في ارتفاع الأسعار بنسبة 13.4 بالمائة في شهر مايو من العام الجاري مقارنة بنسبة 7.5 بالمائة في شهر أبريل، حيث وصل سعر الكيلوغرام إلى 9.70 رنجيت في مايو 2022 مقارنة بـ 8.44 في مايو من العام الماضي 2021.

جدير بالذكر أن السعر ارتفع ليتجاوز 11 رنجيت للكيلوغرام في شهر يونيو الجاري.

تزايد الأسعار المستمر في ماليزيا أثار حالة غضب كبيرة لدى المواطنين وألقى بضغط كبير على الحكومة التي تواجه انتقادات كبيرة على خلفية بعض قراراتها الأخيرة مثل قرار رفع الدعم عن مادة زيت الطهي والتي تعتبر مادة أساسية للعائلات في ماليزيا، ويهدد رفع الدعم بارتفاع كبير في سعر زيت الطهي، وهو ما دفع بالعديد من الجهات لتحذير الحكومة من تداعيات القرار الاقتصادية والتلويح باحتجاجات ضد الحكومة، حيث حذر اتحادان طلابيان من إمكانية النزول إلى الشارع في حال استمرت الحكومة بقرارها في رفع الدعم عن المادة.

محاولات لإنقاذ الاقتصاد

تدرك الحكومة الماليزية بوضوح مدى الضغط والغضب الشعبي الناتج من ارتفاع الأسعار والذي ألقى بثقله على ملايين المواطنين والمقيمين في ماليزيا، خصوصاً أن الكثير من الشركات وقطاعات الأعمال لا زالت تتعافى من آثار الجائحة التي استمرت لشهور طويلة، كما تعلم الحكومة خطورة إقرار مبادرات غير مدروسة للدعم المالي دون حساب آثارها على خزينة الدولة والعجز المالي.

وحذر وزير الاقتصاد في مكتب رئيس الوزراء مصطفى محمد من أن التضخم قد يستمر في ماليزيا ليصل إلى 11.4 بالمائة في حال لم تقدم الحكومة مبادراتها الحالية لدعم الاقتصاد المحلي والأسعار، وذلك في معرض حديثه عن مبادرات حكومة رئيس الوزراء إسماعيل صبري للتعامل مع الوضع الحالي.

وقدمت الحكومة الماليزية برنامج دعم جديد بقيمة 77.3 مليار رنجيت هذا العام بهدف العمل على استقرار أسعار المنتجات ومنع زيادة نسب التضخم ووصولها إلى معدلات مقلقة.

ويغطي برنامج الدعم الذي أعلنته الحكومة وهو الأكبر في تاريخ البلاد أسعار الوقود والغاز المسيل وزيت الطهي والدقيق وتكاليف الكهرباء بتكلفة تبلغ 51 مليار رنجيت ماليزي، بحسب ما أعلنه وزير المالية ظفرول تنكو عبد العزيز.

وقال الوزير مصطفى محمد إن الحكومة كان لديها خيار رفع الدعم عن معظم المواد لتقوية الوضع المالي للبلاد لكنها قررت تحمل عبء الدعم عوضاً عن ذلك للحرص على الأوضاع الاقتصادية وحاجات المواطنين، بحسب تعبيره.

من جانب آخر أعلن رئيس الوزراء إسماعيل صبري في 24 يونيو الجاري تجميد أي زيادات على ضرائب الماء والكهرباء ومنع تعويم أسعار الدجاج للتعامل مع الوضع الاقتصادي الراهن، وهو ما اعتبره الوزير علامة واضحة على اهتمام الحكومة والتزامها بموضوع الدعم رغم رفع الدعم عن بعض المواد مثل زيت الطهي.

معاناة مستمرة

التضخم وغلاء الأسعار لا زال يتسبب بمعاناة كبيرة للطبقات الفقيرة في ماليزيا والفئات المهمشة اجتماعياً، وألقت صحيفة نيو ستريتز تايمز الماليزية الضوء على العديد من هذه الحالات من خلال قصص بعض المواطنين الذين شاركوا تجاربهم الشخصية للتعامل مع الغلاء المتزايد في البلاد.

وتحدثت إحدى المشاركات عن اقتصار طعامها على وجبتين يومياً فقط وذلك على تأمين حاجات طفلها الصغير، وشراء جميع حاجياتها من أسواق الجملة عوضاً عن المراكز التجارية لمحاولة توفير أي مبالغ مالية يُمكن الاستفادة منها، كما أكدت أنها توقفت نهائياً عن تناول الطعام خارج المنزل لعدم قدرتها على ذلك، وتشغيل مكيف واحد فقط في المنزل خلال فترة الليل.

بدوره قال أحد المشاركين إنه لا زال يمارس تقييد الحركة الخاص به في منزله ملتزماً بعدم الخروج نهائياً إلا للضرورة وذلك لتوفير ما يمكن توفيره عبر شراء المنتجات الأساسية فقط، فيما قال مشارك آخر إنه بالكاد يتناول وجبة واحدة في اليوم بقيمة 5 رنجيت.
هذه المعاناة تمتد لتشمل اللاجئين والمهاجرين في ماليزيا، والذين لا ينالهم شيء من برامج الدعم الاقتصادي الحكومية كونها تقتصر على المواطنين، ليزيد غلاء الأسعار والتضخم من معاناتهم مع قلة فرص العمل والاستغلال الذي يعيشونه بفعل حرمانهم قانونياً من حق العمل وهو ما يحرمهم من أي حماية قانونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp chat