حوارات

د. مصطفى طاهر… قصة نجاح من العراق إلى ماليزيا

كوالالمبور – وائل قرصيفي

التميز العربي في ماليزيا ليس وليد اليوم، بل يعود إلى تاريخ طويل من الشخصيات العربية المتميزة التي عاشت في ماليزيا، وقدمت نماذجاً للنجاح في مختلف مجالات الحياة، تميز لم يكن وليد صدفة أو فرصة عابرة، بل ولد من رحم تجارب صعبة ومعاناة وتجارب عديدة، ولعل واحدة من أبرز هذه القصص تجربة الدكتور الجراح العراقي مصطفى طاهر.

د. مصطفى الذي يعيش في ماليزيا منذ عام 2007، له قصة خاصة جداً، فخلف النجاح والتميز الذي يسم حياته المهنية، توجد تجربة طويلة من التعب والجهد، وماض قديم مليء بالمخاطر في حياته التي قضاها في بلده الأم العراق، إبان الحرب الأمريكية على بلاده.

فبعد التخرج من كلية الطب في بغداد عام 2000، والتوجه للتدريب العملي، وجد الدكتور مصطفى نفسه أمام واقع صعب بعد بداية الحرب الأمريكية على العراق في العام 2003، واقع مؤلم دفع به من منطلق واجبه كطبيب وجراح للعمل في واحدة من أخطر مناطق العراق في تلك الآونة، وهي مدينة الفلوجة، المدينة التي كانت تعتبر منطقة (حمراء) وتهدد حياة كل من يقيم فيها.

عامان طويلان قضاهما الدكتور مصطفى في الفلوجة بين 2003 – 2005 حيث عمل جراحاً في مستشفى المدينة، وكانت الحالات المروعة من إصابات الحرب والاشتباكات تتوافد يومياً على المستشفى، وهو ما كان يجبر الدكتور مصطفى وزملائه على إجراء 15 إلى 20 عملية جراحية يومياً! كل ذلك حين كان عمره لا يتجاوز 25 عاماً.

يلخص الدكتور مصطفى تلك التجربة حيث يقول: “في بعض الأحيان كنت تشعر أنك لست إنساناً. في بعض الأيام كانت تأتي إلى المستشفى جثث متفحمة وأطفال تعرضوا لإصابات مرعبة. نحن بطبعنا شعب قوي، لكن كان من المؤلم رؤية أبناء شعبك يقتلون على أيدي الغرباء”.

في خضم كل تلك المخاطر والتضييق الكبير على الأطباء وعائلاتهم والخطورة التي تطارد جميع كفاءات العراق في كل مكان مع اشتعال التوتر الطائفي في البلاد، كان على الدكتور مصطفى مغادرة بلاده، وكانت ماليزيا الوجهة في عام 2007، حيث قدم لاستكمال دراسته في جامعة ماليزيا الوطنية “UKM”.

الخصوصية التي تتمتع بها ماليزيا من الناحية الدينية والثقافية ساهمت بشكل كبير في جعل تجربة الاغتراب أسهل بالنسبة للدكتور مصطفى، حيث يقول: “لم أشعر بفرق كبير هنا. فالمجتمع مسلم بغالبيته، متقبل للآخر ومتفهم للاختلاف، كنت ستشعر بفرق كبير طبعاً لو اتجهت إلى دولة أوروبية، لكن في ماليزيا كان المجتمع قريباً جداً منا”.

لم ينتظر الدكتور مصطفى طويلاً قبل إظهار تميزه الخاص على المستويين الأكاديمي والمهني، ففي حين يحتاج الأجانب في ماليزيا إلى فترة تتراوح بين 4 – 5 سنوات لنيل لقب استشاري، استطاع الدكتور مصطفى نيل هذا اللقب خلال عامين بين 2013 – 2015، ليكون أول اجنبي في قسمه ينال لقب الاختصاصي ويسجل كجراح عام ومتخصص في سجل المتخصصين الوطني الماليزي “NSR”.

هذا التميز المهني والعلمي الكبير، مكن الدكتور مصطفى من أن يكون سابقة مميزة في مجاله بتمثيل ماليزيا في العديد من الندوات والمؤتمرات في الدول المجاورة، ليشكل حالة نادرة وفريدة من نوعها بتمثيل أجنبي لماليزيا في مؤتمرات طبية دولية.

لكن على الجانب الآخر فإن الواقع لم يكن وردياً للدكتور مصطفى، وغيره من الأطباء الأجانب في البلاد، فكما يقول إن القانون الماليزي يُصعب أمور عمل الأطباء الأجانب بشكل كبير، ويفرض قيوداً عديدة على هذا العمل، فالغالبية الساحقة من الأطباء الأجانب يعملون خلال دراساتهم الأكاديمية تحت مسميات عديدة، وقدرتهم على العمل ترتبط باستمرار تحصيلهم الأكاديمي في ماليزيا.

يقول الدكتور مصطفى إن: “هذه القوانين، إضافة إلى تواضع المقابل المادي، دفع بي للتوجه إلى العمل في القطاع الخاص، فمن المستحيل أن تعمل جراحاً طوال حياتك!”.

الخبرة الكبيرة كجراح وأخصائي في مجال جراحة السمنة وطب المعدة، مكنت الدكتور مصطفى من الاستمرار بنجاح في القطاع الطبي في ماليزيا، حيث عمل مع العديد من المؤسسات الطبية الخاصة في البلاد، وحقق نجاحاً كبيراً في مجاله، ليصبح واحداً من أبرز الأسماء في هذا المجال، ويمتلك شهرة خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي بفضل قدرته على تكلم اللغة الملايوية بطلاقة.

اللغة الملايوية لها خصوصية بالنسبة للماليزيين، حيث يقول الدكتور مصطفى إن المريض في ماليزيا “يشعر بنوع خاص من الاطمئنان، عندما يحدثه الطبيب بلغته الأم”، واقتران القدرة على التكلم باللغة مع الخبرة الطبية الكبيرة والكفاءة العالية جعلت من الدكتور مصطفى نموذجاً ناجحاً بتميز خاص جداً.

التميز المهني لم يكن الوجه الوحيد لمسيرة الدكتور مصطفى، بل يمتلك تميزاً علمياً أكاديمياً طويلاً توجه بالعديد من الأوراق العلمية والبحوث المنشورة في عدد من أشهر المجلات العالمية في مجال الجراحة، وطب السمنة، حيث يمتلك أكثر من 27 ورقة وبحث علمي منشور في أرقى المجلات العلمية العالمية.

كما أن الجانب الخيري له حصته من حياة الدكتور مصطفى، والذي شارك في ماليزيا ضمن أكثر 86 مبادرة طبية وخيرية خلال عمله في المؤسسات الجامعية والطبية على حد سواء، ولا زال حتى اليوم يقدم العديد من الاستشارات الطبية الخيرية في الفعاليات الشعبية وغيرها من المناسبات.

يختتم الدكتور مصطفى حديثه معنا بذكر العراق، بلده الأم، حيث يقول “غادرنا العراق بعين ضاحكة وعين باكية، فبلدنا سيبقى بلدنا طوال الحياة”، ويحدثنا عن صعوبة حلم العودة إلى وطنه الأم، مع الظروف التي يعيشها العراق منذ سنوات عديدة، خصوصاً بعد المشاهدات التي عايشها في آخر زيارة له إلى العراق.

وما بين العراق وماليزيا، والسنوات العديدة التي عاشها في البلدين، يخط الدكتور مصطفى قصة مميزة لجراح عراقي، وإنسان عربي، حقق النجاح في المغترب في ماليزيا، وقدم صورة مشرقة عن المهاجرين والمغتربين في بلاد تشتهر بتنوع عرقي وثقافي وديني وبشري لطالما وسم تاريخها منذ زمن طويل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
WhatsApp chat